بانوراما الحرب الروسية الأوكرانية
د. نهلة الخطيب:
يقول ألكسندر دوغين: (هناك ثلاث فترات جيوسياسية في التاريخ الحديث لروسيا، الأولى بداية التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستسلام روسيا للغرب، والثانية بدأت بتسلم فلاديمير بوتين الحكم عام 2000، حيث استعادت روسيا سيادتها وهيبتها ومكانتها الدولية، والفترة الثالثة مع بداية الحرب في شباط 2022، وهذه الفترة هي الأكثر صعوبة وحسماً، لم يكن بالإمكان تجنب الحرب أو منعها، الحرب الجيوسياسية للغرب ضد روسيا مستمرة تتغير أطوارها فقط، باردة أو ساخنة، والآن المرحلة ساخنة جداً ولا يمكن أن تكون أكثر سخونة).
تفاعلات متسارعة تشهدها الحرب الروسية الأوكرانية تجمع ما بين تجديد العقوبات على روسيا، وإمكانات أوكرانيا ومقدراتها، ومصداقية الوعود الفضفاضة وبخاصة (الأوربية) بإمداد السلاح والعتاد الحربي، في الوقت الذي ينعكس فيه طابع التعامل السياسي المجرد مع الأزمة سلباً على العلاقات الأوربية- الروسية، واقتصادياً في ظل أزمة مالية خانقة يعيشها الاتحاد الأوربي، وعجزه عن حل الأزمات الخانقة التي تعيشها العديد من دوله وخاصة في توريدات الطاقة، وبالتالي عدم قدرته موضوعياً على إضافة عبء جديد على صعوباته القائمة التي باتت تهدد مستقبله بوصفه قطباً اقتصادياً. في الوقت الذي تنظر فيه الإدارة الامريكية بارتياح إلى تداعيات الحرب الأوكرانية، بوصفها رداً على السياسات الروسية وما تمثله راهناً في التعاطي مع الإشكاليات الكثيرة التي يعانيها عالمنا، وصولاً إلى تدويل هذه الأزمة وطرحها في مجلس الأمن الدولي أيضاً، وإلى تفاعلات داخلية ليست أقل حدة، تتجاوز سيادة أوكرانيا وتهدف إلى كسر بوتين وإزاحة القوة الروسية من طريقها، ملتزمة بتوصيات هنري كيسنجر (عند اندلاع أزمة أو صراع مسلح في أي مكان، فإن على الولايات المتحدة الأمريكية التريث طويلاً لتتضح الفوائد من تلك الأزمة).
عُقدت قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى 19/5/2023 في هيروشيما باليابان، وشارك فيها الرئيس الأمريكي جو بايدن وسط توتر متصاعد تشهده منطقة شرق آسيا خاصة والعالم عامةً، إذ يخشى من إمكانية أن تكرر الصين سيناريو أوكرانيا في تايوان، وتأتي القمة في وقت تتحرك فيه الصين لملء الفراغ الذي نشأ إثر الحرب الروسية على أوكرانيا في بلدان الاتحاد السوفييتي السابقة طارحة نفسها قائداً عالمياً وساعية لتوسيع نفوذها خارج حدودها.
البيان الختامي للقمة ينتقد الصين ويندد بالسلوك غير المسؤول لكوريا الشمالية، ويطالب روسيا بالانسحاب الفوري وغير المشروط من أوكرانيا، وأظهر قادة قمة السبع كجبهة واحدة في مواجهة روسيا والتصدي للنفوذ الصيني حول العالم. يشددون العقوبات على روسيا والتي شملت قيوداً على صادرات الألماس وحرمان موسكو من التكنولوجيات والمعدات الصناعية، إضافة إلى القيود المفروضة على صادراتها من النفط والغاز، ويسعون لتقليص التجارة مع الصين، في الوقت الذي اعتبر فيه المجتمعون أن ترسانة الصين النووية تشكل مصدر قلق للاستقرار العالمي والإقليمي، ومحاولة التقارب في مسائل استراتيجية رغم تباينات في مواقف دولها تجاه العديد من القضايا المدرجة على جدول أعمالها، وبخاصة علاقات دول المجموعة الاقتصادية وانعكاساتها على المواقف السياسية لهذه الدول. وتصدّرت الاجتماع مسألة وحدة موقف المجموعة السياسي- الاقتصادي، وأقروا (أن المتانة الاقتصادية تستلزم المخاطر والتنوع بعيداً عن الصين ثاني أكبر اقتصادات العالم)، والموقف من تطورات الملف الأوكراني بحضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي وُصف حسب مصدر دبلوماسي فرنسي ( بالحضور المهم جداً)، وأقر زعماء دول المجموعة دعم أوكرانيا بكل ما تحتاجه مع تجديد التزامهم بتزويدها بالدعم المالي والعسكري في حربها مع روسيا.
وبالمزامنة مع قمة دول السبع الكبرى افتتح الرئيس الصيني شي جين بينغ قمة الصين وآسيا الوسطى في 18/5/2023 في مدينة شيان الصينية، وهو الاجتماع الأول من نوعه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ويهدف إلى إقامة شبكات نقل وإنشاء أنابيب طاقة واسعة النطاق، ومشروع سكك حديد تربط الصين بهذه الدول، باعتبار الصين ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم، وأكدت بكين على الحفاظ على سيادة وأمن واستقلالية دول آسيا الوسطى وتعزيز أهميتها بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق ذات الأهمية الجيوسياسية للصين.
بين حشد وحشد مضاد تحولت أوكرانيا إلى مسرح لعروض الأسلحة وتجربتها نحو مستويات غير مسبوقة في زخمها وخطورتها ما بين أسلحة تقليدية إلى أسلحة متطورة بدءاً بالمسيرات والدبابات والصواريخ متوسطة المدى ومضادات الدروع وغيرها إلى الطائرات من دون طيار (الدرونز) وراجمات صواريخ هيمارس أمريكية الصنع ومدافع هاوتزر، إلى جانب الأسلحة الاستراتيجية والنووية لتضع القارة الأوربية والعالم أمام أخطر صراع جيوسياسي.
معركة باخموت أشرس معارك الحرب الدائرة في أوكرانيا وأكثرها دموية، والمستمرة منذ 15 شهراً، انتهت بسيطرة روسيا عليها في 10/5/2023، إذ إن باخموت تشكل بوابة للتقدم باتجاه مدينتي ساوفينسك وكراماتورسك في دونباس، مما يعيق هجوم الربيع الأوكراني المتوقع بداية الصيف، وفي تصريح متناقض لزيلينسكي عما إذا كانت المدينة لا تزال تحت سيطرة أوكرانيا بعدما أكد الروس الاستيلاء الكامل عليها قال (لا أعتقد ذلك) وأضاف (اليوم باخموت في قلوبنا).
في الوقت الذي تستعد الولايات المتحدة الأمريكية لتزويد أوكرانيا بمساعدات عسكرية جديدة تبلغ قيمتها 375 مليون دولار تشمل مدفعيات وراجمات هيمارس إضافة إلى طائرات F16 من الجيل الرابع الأمريكية وتدريب طيارين أوكرانيين على استخدامها، بدا واضحاً تورط الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الروسية الأوكرانية، لأن دولة كأوكرانيا ما كان لها أن تصمد أمام روسيا لولا الدعم والتجييش من الولايات المتحدة الامريكية والغرب متمثلاً بحلف الناتو، ويبدو أنها نجحت في جعل المعركة حرب استنزاف لروسيا اقتصادياً وعسكرياً استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة إلا النووي منها.
ومن جهة أخرى تدرك روسيا أن هذه المعركة ورغم استفرادها بأسلحة نوعية لن تُحسم بسهولة، وهذا ليس في صالحها لأن الغرب والولايات المتحدة الامريكية يغدقون بالمليارات لتمويل هذه الحرب، هذا في الوقت الذي ردت فيه موسكو على التهديدات وما يحاك ضدها باتفاق يسمح لروسيا بنشر ونقل أسلحة نووية إلى بيلاروسيا، وهذا ما أعلنه الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو في 25/5/2023، مما يعني أن روسيا قررت إظهار قوتها الردعية لدرء الخطر القادم، ولاسيما بعد تصريحات أوكرانية حول هجوم قادم على روسيا لاستعادة المناطق التي تم السيطرة عليها بما فيها شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014، فقد أعلن أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الروسي أوليكسي دانيلوف قبل يومين، أن بلاده مستعده لشن هجومها المضاد للقوات الروسية ويمكن أن يبدأ غداً أو بعد غد أو بعد أسبوع. شخص بوتين علاقة الغرب بزيلينسكي متهكماً في تصريح له (الغرب ماض في الدعم بكل الأشكال مع الوعود بالنصر هذا العام، والجولات المكوكية للرئيس الأوكراني لا تنتهي فموسكو تقرأ جيداً كتب كسينجر وتعلم جيداً من أين تتألم واشنطن).
الحرب ستنتهي بطريقة ما، ومن الصعب التكهن بنهاية هذه الحرب وإمكانية تحولها إلى حرب عالمية نووية، إلا إذا خسرت روسيا لأنها معركة وجود بالنسبة لها، وإذا كانت روسيا ستستخدم الأسلحة النووية ضد أوكرانيا فمن المحتمل ان ترد الولايات المتحدة الأمريكية بأسلحة مماثلة ستكون مدمرة للبلدين وكل الغرب، إذاً حرب نووية سيكون الخاسر الاكبر هو من يفجر ويطلق القنبلة النووية الأولى، ولابد من تدخل بعض العقلاء ومشاركة مجلس الأمن والأمم المتحدة بأليات للتوسط بين الطرفيين المتنازعين والتوصل إلى اتفاق سلام يضمن السلم والأمن الدوليين، وهذا ما يدور في الأروقة السياسية رغم حدة التصعيد العسكري بين الطرفين لزيادة المكاسب السياسية في التسوية ويفترض أن تكون الصين هي عراب هذا الاتفاق.