السويد.. إلى اليمين در!
هانس أورن وطلال الإمام – السويد:
أعلنت الناشطة الباكستانية عائشة صديقة، في اجتماع الأمم المتحدة للمناخ، الذي انعقد في مصر مؤخراً أن السويد اليوم لم تعد كانت عليه من قبل.
واعتبرت أن السويد التي تتحول نحو اليمين بشكل متزايد تفشل في تنفيذ وعودها في مجال المناخ. وهي على الأرجح على حق.
لكن السويد لا تخون مبادئها والتزاماتها السابقة في مجال المناخ فقط، بل وفي مجالات أخرى. لقد صوت البرلمان السويدي في الآونة الأخيرة على تعديل دستوري يهدّد حرية التعبير والكلمة التي أعلنت الحكومات السويدية السابقة إنها تريد حمايتها.
أقرت السويد لأول مرة منذ عام 1889 (قانون كمّ الأفواه) الذي استخدمته السلطة لإسكات أي انتقاد. المعروف أن قانون كمّ الأفواه لعام 1889 كان موجّهاً ضد الحركة العمالية الناشئة، واحتوى على سلسلة من البنود التي تحمل أكثر من تأويل وتعاقب (أي محاولة للحث على الارهاب /عصيان القانون أو السلطة القانونية).
وبالطريقة نفسها، فإن قانون كمّ الأفواه 2022، أي (قانون مكافحة التجسس الأجنبي)، يحتوي على سلسلة من البنود التي تسهل على السلطة في السويد إسكات المنتقدين.
يضيف القانون جريمة جديدة تتعلق بحرية التعبير وهي التجسس الأجنبي. إذ قد يكون الكشف عن معلومات لها آثار خطيرة على علاقة السويد بدولة أخرى أو منظمة دولية بمثابة جريمة.
جاءت الانتقادات لهذا القانون الجديد كثيرة ومن جهات عديدة. فقد حذر المحامون والصحفيون، وجميع المؤسسات الإعلامية الكبرى وهيئات قانونية ذات وزن في السويد، من أن هذا القانون يمهد للتعسف وإسكات الأصوات.
تعتقد اليسارية يسيكا ويتيرليند (وهي عضوة في البرلمان/الرايكستاغ عن حزب اليسار الذي صوت ضد الاقتراح الجديد لتعديل القانون)، تعتقد أن القانون الجديد يفتح صندوق باندورا (صندوق باندورا في الأساطير الإغريقية هو صندوق يحمله باندورا ويحتوي كل شرور البشرية من جشع، غرور، افتراء، كذب وحسد). ورأت أن القانون ليس مصمّماً لوقف التجسس، بل لنشر الخوف. وتابعت: لن يؤدي التعديل إلى سد الثغرات في القانون السابق، أو أن الهدف هو إصلاحه، كما يدعي من يقف وراءه، وإنما سيؤدي الى انعدام الثقة بين جميع الأطراف تقريباً، وإلى قدر كبير من عدم اليقين بين المبلغين عن المخالفات والصحفيين إذ إن أية مقالات أو تحقيقات تعد جريمة تستوجب المساءلة.
عارض الحزب الليبرالي منذ البداية مشروع القانون. المعروف في السويد أن أي تغيير يتطلب تصويتين في البرلمان السويدي مع انتخابات عامة بينهما. في التصويت الأول، رفض الليبراليون الاقتراح. ثم كتب زعيم الحزب يوهان بيرسون في بيانه أمام لجنة العدل أن القانون (ينقصه الوضوح والقدرة على التنبؤ اللازمين). مع ذلك، اختار الليبراليون في التصويت الحاسم التخلي عن ليبراليتهم في مجال حرية التعبير وصوّتوا لصالح اقتراح التعديل. وذلك بعد تشكيل حكومة يمينية تعتمد اعتماداً كلياً على حزب له جذور نازية (ديموقراطيو السويد) وتخضع له إن هي أرادت إقرار سياساتها وتنفيذها.
كما قدمت الحكومة الليبرالية اقتراحاً يتضمن أن الأشخاص الذين حصلوا على تصاريح إقامة دائمة في السويد يمكن إعادة النظر في تصاريح إقامتهم. وهذا خلق قلقاً كبيراً لدى كثيرين.
يمكن اعتبار إثارة القلق ونشر الخوف بين الناس، بغض النظر عما إذا كانوا مهاجرين أو صحفيين أو المبلغين عن المخالفات، دلائل على تنامي الفاشية التي تصاعدت في السويد في السنوات الأخيرة. قانون التجسس الجديد واقتراح إعادة النظر في تصاريح الإقامة الدائمة ليست سوى عدد قليل من سلسلة القوانين والتغييرات القانونية المماثلة التي تحدث في السويد.
إن الحكومة اليمينية الجديدة، بحزبها الداعم لها حزب ديموقراطيي السويد، وهو حزب ذو جذور نازية، ليست وحدها المسؤولة عن هذا التطور.
كانت الحكومة الاشتراكية الديمقراطية السابقة ووزير العدل مورغان يوهانسون هما اللذان بدأا بفتح صندوق باندورا. غالباً ما انتهز مورغان يوهانسون الفرصة كوزير للعدل لتشديد التشريعات، وبشكل خاص تلك المتعلقة بالجرائم الجنسية وقضايا الهجرة، على الرغم من الانتقادات الشديدة من قبل الهيئات القانونية وعلماء الاجتماع. لقد ضحى الاشتراكيون الديموقراطيون في السويد باليقين القانوني ومغازلة الأوساط الشعبوية في محاولة لكسب ود الناخبين الذين تخلوا عن الحزب واختاروا بدلاً من ذلك دعم الأحزاب اليمينية مثل حزب ديمقراطيي السويد. لقد كانت محاولة يائسة من قبل الاشتراكيين الديمقراطيين لمحاربة قوى اليمين، مما يعني عملياً أن الأحزاب تبنّت سياسات اليمين المتطرف وجعلتها سياساتها الخاصة.
إن الاشتراكية الديموقراطية السويدية، التي ناضلت يوماً ما من أجل حقوق العمال والشعب ووقفت ضد (قوانين كمّ الأفواه)، لم تقدم الآن قوانين جديدة قابلة للتنفيذ، بل نشرت القلق وعدم اليقين بين الناس، وتحالفت مع منظمات تدعو للحرب مثل حلف الناتو. لقد كانت أيضاً في طليعة من نشر الفاشية في المجتمع السويدي، التي بدأت في العقد الماضي، ربما دون أن تكون على علم بذلك.