ملامحُ اليسار في الأدب العربي.. (بدر شاكر السيَّاب أنموذجاً)
سعيد بشتاوي:
ممَّا لا شكّ فيه أن الاتجاه اليساري أو النظرية اليسارية كانت من أبرز الاتجاهات والنظريات السياسية التي برزت في أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين على امتداده، ولقد شكّل وجود اليسارية أملاً لدى العديد من فئات المجتمع المغلوب على أمره؛ إذ كان اليسار وخصوصاً اليسار الذي ارتبط بالاشتراكية صرخًة وصوتاً لهذه الفئات التي جنّبها الاتجاهُ اليميني المشاركةَ في نشاطات المجتمع ككل، فكان اليسار ضوءاً لهذه الفئات والطبقات تستنير به طريق الحياة الجديدة، كما أنّ ارتباط اليسار بالعلمانية أحياناً أيضاً ساهم في استقطاب العديد من الشعوب لاتخاذ اليسار سلاحاً أيديولوجيّاً لمواجهة الكنيسة التي احتكرت الحكم في أوربا وخصوصاً في فرنسا، وجعلتْ الكنيسةَ سبباً لتحقيق مصالحها الشخصية ومنفذاً في السيطرة على فكر الشعوب، فكانت اليسارية إجابةً واضحةً وصرخة مدوِّيةً لكل الطبقات التي لم تسعفها ثروتها ولا حتى مكانتها على المشاركة في الحياة الاجتماعية وما فيها من حياة سياسية.
وإذا سألنا: ما اليسار، وما حدودُه ومفهومه؟
لقد قرأ اليسارُ الواقعَ الاجتماعي والسياسي والديني كما هو بشكل موضوعي، فرأى أنَّه لا بدّ من إيجاد حل لواقع الطبقات المنسية التي سخّرتها الكنيسة لخدمتها فقط، كما كان اليسار مظهراً من مظاهر الحضارة السياسية والاجتماعية في آن واحد جعله محطَّ إعجاب لكثير من الشعوب.
في الدرجة الأولى كان اليسار هو النقيض الطبيعي لليمين السياسي، وهذا النقيض متّفق عليه عند الجميع، ولكنْ مفهومُ اليسار اختلف كثيراً تبعاً لخصائص المجتمع الذي وُجد فيه؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية أُطلِق لفظ (الليبرالي) على كل يساري، بينما في الجهة المقابلة في أوربا مثلاً كانت الليبرالية نقيضَ اليسارية، وأمّا في المجتمع الروسي (السوفييتي سابقاً) فقد ارتبط اليسار بالشيوعية والاشتراكية، وقد وضع لينين في كتابه (مرض اليسارية الطفولي) شرطَ أن يكون الشيوعيُّ يساريّاً بالدرجة الأولى، وكذلك الأمر، نسبيّاً، في المجتمع العربي؛ حيث عُدَّت اليسارية ملازمةً للشيوعية والاشتراكية.
وفي الحقيقة، إنّ مفهوم اليسار كما يقول (بيكلز) في قاموس العلوم الاجتماعية: هو مفهومٌ غامض بدأ استخدامُه على المستوى السياسي في الخامس ثم الثالث والعشرين من شهر حزيران (يونيو) عام 1789 في فرنسا، وسبب تخبّط تحديد ماهيّة هذا المصطلح مردُّه إلى اختلاف الأيديولوجيات لدى الدارسين لهذه الظاهرة، وقد عرّفه (كارل أوجنسي) على أنَّه الرغبةُ في التقدُّم، والإيمانُ بأنَّ الإنسان سينتصر في النهاية. وتُعَدُّ فكرة (الثورة وتغيير الأوضاع) أوَّلَ فكرة يرتبط بها مفهوم اليسار، وبرأيي أن هذا التعريف – تعريف كارل أوجنسي هو الأنسب والأقرب لواقع اليسارية، إذ حصر (كارل أوجنسي) اليسارَ بفكرة التغيير والثورة على الواقع الرجعي وهذا ما يتّفق مع استهلالنا لهذا المقال، وإذا نظرنا في الأنظمة الداخلية والبرامج السياسية للأحزاب اليسارية سنجد أنَّ هذه الأحزاب تكفل في وثائقها وأدبياتها فكرة تقدّم المجتمعات وتحريرها من التسلّط السلطوي، كما تكفل فكرة تغيير الواقع وتحقيق المساواة على أساس دولة ديمقراطية اشتراكية تقدّمية. وإذا ما أردنا وضع تعريف مُرضٍ لليسار فإنه يمكننا القول: إنه تيار سياسي ديمقراطي اجتماعي اشتراكي ليبرالي شيوعي،
وتبقى صحّة هذا التعريف أو مدى تمثيله تعتمد على خصائص المجتمع الذي تُوجَد فيه اليسارية كما قلتُ آنفاً، إلّا أن كثرة الاجتهادات التي طرأت على موضوع اليسارية أدّت إلى تشعّب تياراتها وغموض مفهومها وتوسّع حدودها، وفي الغالب الأعم كان اليسار ردة فعل طبيعية على وجود الأنظمة الرجعية والمَلَكية، كما كان ردَّة فعل على الوجود الاستعماري وخاصة في العالم العربي؛ إذ إن أفكار اليسار قد استساغها جلُّ الفلسطينيين كياناتٍ وأفراداً نظراً لوجود الاحتلال الصهيوني المدعوم من حكومات اليمين ومن حكومات رأس المال على مستوى العالم، فماهيةُ هذا الاحتلال بخصائصه اليمينية والرأسمالية حتّمت وجودَ الفكر اليساري مجابهاً للاحتلال الصهيوني، وعليه فإنّه يمكن تلخيص أهداف اليسارية بما يلي:
- تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية.
- إبعاد الدين كقوى سياسية لا كمذهب روحي عن المساهمة في الحياة السياسية.
- تحقيق تقدّم الشعوب في المجالات السياسية والصناعية والاجتماعية.
- إقامة الدولة المدنية ذات المرجعية الدستورية المتوافق عليها من قبل فئات الشعب.
- المناداة بالديمقراطية سبيلاً لتحقيق التقدّم الحضاري والاستقرار السياسي.
- دعم طبقات المجتمع التي أبعدها اليمين عن المشاركة في الحياة بأنواعها.
- إعطاء دور للمرأة للمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية.
- حماية المجتمعات من الفساد الإداري.
إنّ أفكار اليسارية ونجاحها في بعض الدول قد جذبَت عقولَ الكثير من الناس، الذين رأوا فيها خلاصاً من واقع الشعوب المتردي والمهترئ، فانضمّ إلى هذا التيار العديد من الأحزاب والشخصيات، وأصبح لهذا التيار أنصار ومنادون بأفكاره وأهدافه نظراً إلى أنّها تحقق إنسانية الحياة وقيمها المثلى، وعلى ذلك فقد أثّر الفكر اليساري في كثير من جوانب الفكر والحياة، وبما أنَّ الكثير من مناصري هذا التيار هم من الأدباء، فقد أدرك الأدباءُ دورَهم في تعزيز قيم اليسارية وما كان لهم من مُعِين في هذا إلا أقلامَهم وأوراقهم، فنادوا ودعوا إلى أفكار اليسار من خلال أدبهم، كما كان أدبُهم وسيلةً جميلة وجيدة لشرح وتوضيح ماهية اليسار وأهدافه وخصائصه؛ فانعكس هذا اليسار على الأدب وأثّر فيه وأضفى عليه نكهةً خاصّة فريدة لاقت استحسان الكثير من القرّاء، ونشوء ما أسمّيه بالأدب اليساري ارتبط إلى حد كبير بكثير من التحوّلات السياسية والتاريخية التي طرأت على المجتمع العربي، وممّا يميّز هذا الأدب وضوحُه وطريقتُه الساخرة نوعاً ما في تصوير الواقع وفضح الممارسات الخاطئة التي تُمارَسها بعض الطبقات الاجتماعية، كما امتاز هذا الأدب بقربه من كل فئات القرّاء لأنه يقدّم مادّةً تتناول كل هموم الناس، وكلَّ مطالبهم.
إنّ الأدب اليساري يمتاز عن اليسار التقليدي بسمة البقاء والاستمرار، لأنّه جعل من اليسار مادّة سهلة الوصول والفهم لدى كثير من الناس، وإنْ أرجعنا سبباً من أسباب بقاء اسم اليسار في الأوساط العربية، فهو يعود إلى الأدب الذي تناول الأفكار اليسارية بقوالب يسهل فهمها ودراستها وحتى حفظها، ولا سيما أنَّ الكثير من الأدب اليساري قد غُنِّي ما يعني أنَّ هذا الأدب أسرع انتشاراً من اليسار السياسي الذي بقي في العالم العربي مجرّد دراسات وأبحاث على ورق ، بغض النظر عن اتخاذ بعض الدول على مستوى العالم اليسارَ مذهباً في الحكم وقيادة المجتمع.
إنّ جوهر هذا المقال هو الحديث عن الأدب الذي استفاد من أفكار اليسار وأعاد صياغتها في أدبٍ رفيع المستوى وجيّد النظم وجميل العبارة، وحتى يسهل دراسة هذه الظاهرة فقد اخترتُ الشاعرَ العراقي بدر شاكر السيّاب خير أنموذج لدراسة ظاهرة أدب اليسار، ولا ضرورةَ للخوض في سيرته الشخصية نظراً لشهرته بين الأوساط الأدبية والشعبية.
- بدر شاكر السيّاب:
يمثّل بدر شاكر السيّاب تيّاراً أدبيّاً هامّاً فهو يُعَد من أبرز الذين ساهموا في تأسيس شعر التفعيلة، كما أنّه من أوائل من أدخل الرمز في الشعر، وهو مما لا شكّ فيه من أبناء الحزب الشيوعي العراقي الذي أشربَ أدبَه بأفكار وروح الحزب المنتمي إليه، ويساريةُ السيّاب لا تأتي فقط من انتمائه السياسي بل تأتي من كونه ابن قرية جيكور، هذه القرية التي كانت كغيرها من القرى التي عانت من الفقر والحرمان وغياب الخدمات لدرجة نسيان هذه القرية، ولم يكن السيَّاب من أثرياء قريته، بل كان من أبناء الطبقة الكادحة الفقيرة التي نُفيَت من الحياة ومناحيها، فهذه العوامل هي ما جعلت بدراً وأدبَه يتّخذان النهج اليساري وسيلةَ حياة وتفكير، ففي أدبه يُظهِر فساد حكومات العراق، ويبدو الظلمُ الذي لحق بطبقات العمّال والفلاحين والكادحين في أدب بدر واضحاً كوضوح الشمس، فانطلق بدرٌ منبراً لقريته وأمثالها ومنبراً لهذه الطبقات المسحوقة التي عصف بها تسلّط الرأسماليين وأصحاب الدين على السلطة فاحتكروها لهم.
بدر شاكر السياب في أدبه هو ذلك العراقي العربي المنفي المُبعَد المظلوم الفقير المغلوب على أمره، وممّا هو معروف فإن بدر شاكر السيَّاب حاول تغيير واقعه المر من خلال السفر إلى الكويت كي يحسّن مستوى حياته، ولكن يبدو أن سوء الحظ ملازم له ولحياته حتى مماته الذي سبّبه له داءُ السِّل.
إنّ أوّل ما نلاحظه على شعر بدر هو الجدّةُ والابتكار، فقد دعا إلى الثورة على كل ما هو قديم وتغييره، فيقول: (إنّ الشاعر الحديث مطالب بخلق تعابير جديدةٍ، إنّ عليه أن ينحت لا أن يرصف الآجرّ القديم) من هنا تتَضح لنا يسارية الرجل ما دام اليسار يدعو إلى التغيير؛ فالسيّاب أيضاً يدعو إلى التغيير حتى ولو في واقع القصيدة العربيّة، وهذا التغيير الذي دعا إليه لا يقتصر فقط على تغيير شكل القصيدة بل يشمل تغيير جوهر ومضمون القصيدة العربية، فإلينا مثلاً قوله:
الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها
حتّى الظلام هناك أجمل، فإنّه يحتضن العراق
إذاً يفضّل الظلام في بلاده على آلام الغربة بكل مغرياتها ونعيمها، وقلّما نجد مثل هذا التعبير عند غيره من الشعراء، وهو – لا شك – تعبير جريء وفي الوقت ذاته واقعي وصادق.
كما تميّز أدبه بنقل واقع المجتمع العراقي بتفاصيله البسيطة والدقيقة والشعبية، فلم يتحرّج من واقع الشعب العراقي الذي تقدّمت عليه شعوبٌ أخرى وأصبحت اهتماماته بأمور ما زالت حيَّةً عند العراقيين، وربّما سبب ذلك هو حنين بدر دائماً إلى قريته وطفولته فيها، فمثلاً يستحضر في قصيدته (أنشودة المطر) لعبةَ الأطفال بالكركر:
وكركر الأطفال في عرائش الكروم
ودغدغة صمت العصافير على الشجر
وقد جعلَ السيّاب أدبَه معجماً لغويّاً للألفاظ الشعبية والعامّية، فهو يريد من شعره أن يكون عراقيّاً وملتصقاً بثقافة العراق وتراثه وتاريخه وبساطة شعبه، ولكنّه في الجانب الآخر أراد أيضاً أن يكون شعرُه مسرحاً للأساطير، ومعجماً لكل الرموز التاريخية والأسطورية، فنجد أدبه زاخراً بهذه الجوانب.
يرسمُ السيّاب في قصيدته (غريب على الخليج) ملامحَ الغربة، هذه الغربة التي قد تكون مصدر شقاء لا مصدر هناء، فالمغترب لا ينجح دائماً بتحقيق انتصاره على حياته من خلال الاغتراب والعمل في الغربة، فالسيّاب – المغترب هو ذلك الجائع الذي لا يستطيع أن ينفق على طعامه ما ينفقه الأثرياء على طعامهم وأكلهم:
وكيف تدخرُ النُّقود؟
وأنت تأكل إذ تجوع؟
وأنت تنفق ما تجود
به الكرام، على الطعام؟
إنّ السيّاب في هذا المقطع هو ذلك المنسي في مجتمع الغربة، هذا المنسي الذي لا يقدر أن يشبع رغبةً إنسانية طبيعية وهي الجوع، في حين أنّ غيره ينفق الكثير من المال على طعامهم، وكأنّنا هنا نسمع صرخة السياب عن وجود طبقات اجتماعية متباينة إلى حد كبير، طبقة لا تستطيع إسكات جوعها، وطبقة مُتخَمة مترفة لكثرة ما تجود به على نعيمها.
ولمّا كانت مهمة اليسار الاشتراكي إنهاء الطبقية، فإنّنا نرى السيّاب يعود فيعرّي المجتمع المتقدِّم شكلاً لا مضموناً، فيعيد إلينا صورةَ العبد الأسود الذي ينحصر عمله في الخدمة بأدنى مستوياتها، فيعيد إلينا اسم مرجانة، هذا الاسم الذي التصق بالعبيد عبر التاريخ العربي، ومرجانة مربية أطفال الأثرياء، هذه المرجانة التي يقتلها الجوع في الوقت الذي تقيم فيه عند الأثرياء، يقول في قصيدة (أغنية في شهر آب):
نـاديـت مـربـية الأطـفـال الـزنجية
الــلـيـل أتـــى يـــا مـرجـانـة
فـأضيئي الـنورَ ومـاذا؟ إنـي جـوعانة
كأنّ حال هذا المقطع يقول إن العبودية ما زالت في هذا المجتمع الذي يظن نفسَه متمدِّنا وحضاريّاً في الوقت الذي يجوع فيه خدمهم وحاشيتهم، والسيّاب لا يقول القولَ ويمضي على سبيل التقرير، وإنما يرمي قوله، وفيه ملامح القهر والدعوة إلى الثورة على هذا الواقع اللئيم والمتخاذل وما يؤكِّد رأينا على هذا قولُه لمرجانة: أضيئي النورَ، وهذا في صلب اهتمامات اليسار، كما أنّ هذه الدعوة إلى التغيير جلية في قصيدة (عرس في القرية) فهذا العرس هو الثورة، والقرية كانت مصدر ثورات التغيير لأنَّ نصيب الفقر والحرمان يكون في أغلبه للقرى التي همّشتها الجغرافيا وجعلتها من منسيات الأيّام.
يدعو السيّاب أبناء القرية إلى النهوض على واقع الإقطاعية والحرمان والفقر، فيحرّضهم على الحصاد، وعلى ذرَ الرّماد في عيون المستغلين والإقطاعيين، ويرغّبهم في التغيير الذي سيكون موعده قريباً جدّاً إذا ما تكاتفت الأيدي وتعاضدت النفوس:
فاحصدوا يا رفاقي، فلم يبقَ إلّا القليل
كان نقرُ الدَّرابك منذ الأصيل
يتساقط مثل الثّمار
من رياح تهوِّم مثل النخيل
يتساقط مثل الدموع
أو كمثل الشّرار
إنّها ليلة العرس بعد انتظار.
إذاً السيّابُ فرحٌ بقدوم العرس بعد طول انتظار، لأن الثورة فعلاً عرسٌ يفرح فيه الفلّاحون والعمّال بسبب خلاصهم من الاستغلال والاضطهاد، ولم يكن السيّاب يساريّاً فقط من خلال الدعوة إلى الثورة، بل كان يساريّاً أيضا عندما بيّن حقيقة الفساد، هذا الفساد الذي لا يستفيد منه إلا طبقات محددة، بينما تحصد ثمارَ سوئه الطبقاتُ الفقيرة والمسحوقة، فهذه الطبقات هي الضائعة في متاهات الحياة، وهي التي تُضَرُّ بسبب سوء إدارة أصحاب الحكم والساسة الذين لا يشعرون بألم من هم أدنى منهم، فآثام هؤلاء – كما في قصيدة (قافلة الضياع) يتحمّلها الضائعون المنفيُّون من حقوق الحياة:
أرأيت قافلة الضياع؟ أما رأيت النازحين؟
الحاملين على الكواهل، من مجاعات السنين
آثامَ كل الخاطئين
النازفين بلا دماءْ
السائرين إلى وراءْ
والجوع لعنة آدم الأولى وإرث الهالكين
ينمُّ هذا السؤال في بداية المقطع عن استنكار فاضح وواضح لحال الكثير من الجياع والفقراء والنازحين الذين حُمِّلوا نتيجة أخطاء غيرهم، وواضح من ربط السيّاب الجوعَ بآدم أنّ هذا الجوع والفقر مربوط بالإنسان منذ نشأته الأولى، أو حتّى منذ ولادته، واستقبال الحياة له، ولا ينفكَ السيّاب عن إرجاع سبب الجوع في العراق إلى أصحاب الكلمة والقرار في العراق:
مطر
مطر
مطر
وفي العراق جوعْ
وينثر الغلالَ فيه موسمُ الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
إذاً هؤلاء ساسة العراق يجعلهم السيّاب غرباناً وجراداً تأكل الأخضر واليابس في العراق، وعلى الرغم من وفرة خيرات العراق وكثرة ثرواته، فإن الجوع يفتك ويعصف بالعراق وأهل العراق، ويبقى الحلّ في الثورة التي تقتلع كلَّ هذا المرّ وكل أسبابه، وقد بقي يدعو إليها السيّاب ولم ييأس من الدعوة بل ظلّ متفائلاً بغدٍ أفضل تُحدثه الثورة والتغيير، وإنْ كَثُرت التضحيات والآلام:
إلى الملتقى وانطوى الموعد
وظلّ الغد
غد الثائرين القريب
يداً بيد من غمار اللهيبْ
سنرقى إلى القمّة العاليهْ
وشعرك حقلٌ حباه المغيبْ
أزاهيرَه القانية
وهكذا فإنّ السيَّاب كان خير مثال ونموذج يُدرَس لاستخلاص ملامح تأثير اليسار على الأدب العربي، واختياري للسيّاب لا يعني، بكل تأكيد، أنّ السيّاب هو الوحيد الذي فتح هذا الباب من الأدب، بل إنَّ هناك الكثير من الشُّعراء الذين ساروا على ما سار عليه السيّاب، كالأديب السوري حنّا مينه وممدوح عدوان والشاعر الفلسطيني محمود درويش وسميح القاسم، ومعين بسيسو والأديب غسّان كنفاني، والشاعر العراقي عبد الوهّاب البياتي وغيرهم كثير، ضمَنوا أدبهم بقيم اليسارية ومبادئها وأهدافها بالدعوة إلى التغيير واجتثاث الرجعية والفساد وإنشاء مجتمع اشتراكي تسوده العدالة والمساواة والديمقراطية واحترام حريّة المعتقد، ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أنّ هذا الأدب جدير بأن يُدرَس ويُنقَد ويُفرَد كأدب مستقل له خصائصه وسماته ووحدته العضوية والشكلية والمعنوية.