حول تطورات الحرب في أوكرانيا وتداعياتها

د. صياح فرحان عزام:

يبدو أن هذه الحرب التي دبّرتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأطلسيون في أوكرانيا، والتي كان الهدف منها وما يزال استنزاف روسيا عسكرياً واقتصادياً بما يؤدي إلى إضعافها، لا تسير كما أرادها مدبروها، الذين مدّوا أوكرانيا بكل ما يلزم من سلاح ومعدات ومعلومات استطلاعية وغير ذلك، إذ إن شرق أوكرانيا سقط بيد الجيش الروسي، والجيش الأوكراني أصبح شبه محطم بعد أن فقد 50٪ من قوته البشرية، ما بين قتيل وجريح ومفقود وأسير، كذلك خسر نحو 70٪ من أسلحته (هذا تقدير خبراء وعسكريين محايدين).

لهذا لم تعد واشنطن وحلفاؤها تراهن على كسب هذه الحرب التي افتعلتها، فلجأت إلى خيار آخر، وهو الحصول على الغاز من شرق المتوسط، الذي ستتولى إسرائيل تأمينه، إذ سُينقل منها (وهو بالأساس غاز فلسطيني مسروق) إلى تركيا أو اليونان، بالسفن، ثم ينقل بالأنابيب إلى أوربا، كل هذا للتأثير على الغاز الروسي، إلا أن هذا الخيار الأمريكي مصيره الفشل بعد أن دخل حزب الله اللبناني على الخط، وهدد بتدمير الحفارة اليونانية التي استقدمت لهذا الغرض، إلى جانب أن لبنان الرسمي أكد تمسكه بحقوقه في هذا المجال.

ونعود إلى العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا لنقول: إن وسائل إعلام مختلفة كانت تغطي زيارة رؤساء ثلاث دول أوربية (فرنسا وألمانيا وإيطاليا) ورئيس رومانيا الذي انضم إليهم، لاحظت وجود (فتور) في استقبال الرئيس الأوكراني لهم، بالرغم مما أظهروه من تعاطف كبير مع أوكرانيا وإدانتهم لروسيا ووصفها بـ(الوحشية).

– أيضاً في هذا السياق وقبل هذه الزيارة صرّح مسؤولون مقربون من زيلبنسكي بأقوال منها (كفانا التقاط صور للزعماء الغربيين الزائرين، نحن نحتاج إلى دعم عسكري لا لالتقاط الصور).

ولكن- حسب وسائل إعلام غربية- فإن ما يقال في العلن ليس نفسه ما يقال في الغرف المغلقة، وبالتالي قالت إن الهدف من زيارة الزعماء الثلاثة ، هو محاولة إقناع الرئيس الأوكراني بالتفكير جدياً في بدء التفاوض مع روسيا، وهذه الأقوال موجودة على مواقع الـ(بي.بي.سي) و(فرانس 24) و(دي دبليو الألمانية)، حيث يجري الحديث عن أن الطابع الرمزي للزيارة هو التضامن، إلا أنها تنطوي على محاولة للعواصم الثلاث إطلاق مبادرة سلام برعاية أوربية قد تظهر ملامحها واضحة في قمة الاتحاد الأوربي الوشيكة، وأنه تم التمهيد لهذه المبادرة بفكرة منح أوكرانيا صفة (عضو مرشح) في الاتحاد الأوربي.

وهنا لابد من القول إن الأوربيين لم يعد بوسهم تجاهل خسائرهم بسبب استمرار دعمهم لأوكرانيا بالسلاح والمال، وما لحق بهم من أضرار اقتصادية انعكست على شعوبهم بشكل مباشر وملموس عبر معاناة اقتصادية حقيقية. وجاءت كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي لتوضح العديد من المسائل الهامة المتعلقة بهذه الحرب، خاصة الدور الأمريكي فيها ومن هذه المسائل:

– إن عهد الأحادية القطبية في العالم قد انتهى، فالتعددية القطبية أمر لا مفرّ منه، فقد ولدت مراكز قوى جديدة واعدة، وهذا ما لا يُعجب أمريكا.

– إن الولايات المتحدة أعلنت نفسها طرفاً منتصراً في الحرب الباردة، ومنحت نفسها منزلة مبعوث إلهي هبط من السماء، واعتبرت أن مصالحها مقدسة.

– العقوبات الغربية فشلت في تدمير الاقتصاد الروسي، وأضرت باقتصادات دولها، وبالتالي فالغرب عاقب نفسه بنفسه.

– حذر الرئيس بوتين من استخدام قمح أوكرانيا لدفع ثمن الأسلحة، موضحاً أن القمح الأوكراني لا يشكل إلا جزءاً يسيراً جداً من إنتاج القمح العالمي، إلى جانب أن هناك فرصاً لتصديره إذا سمحت أمريكا لأوكرانيا بذلك.

نخلص إلى القول إن أوكرانيا ليست صاحبة قرار في هذه الحرب، ولا في وقفها، ولا في التفاوض مع روسيا لإنهائها، بل هي تنفذ عبر رئيسها وطاقمه العميل أوامر أمريكية وأطلسية.

 

العدد 1195 - 23/04/2026