نخر الفقر عظامنا
ريم داوود:
لا تحدّثني عن الحياة والسعادة، بل خذني إليها يا صديقي!
يعتقد كثيرون أن مساعدة الفقراء والمحتاجين أمرٌ صعب وحكر على المؤسسات والمنظمات الإنسانية، لكن الحقيقة تختلف عن ذلك تماماً، فمساعدة الفقراء ليست فضيلة بقدر ما هي واجب على أفراد المجتمع بعضهم تجاه بعض للنهوض بمجتمع فاضل، متماسك، واعٍ، ومتقدم. وقد كثر الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين عن الفقر والفقراء واتجه الباحثون والمهتمون نحو وضع مقاييس ومؤشّرات توضح النسبة التي يتراوح فيها الفقر بين المقبول واللامعقول في مختلف البلدان، وقد اعتُمدت ثلاثة مؤشّرات أساسية (التغذية الجيدة، الصحة الجيدة، والتعليم). وممّا لاشكَّ فيه أن مفهوم الفقر يختلف باختلاف البلدان والتقاليد، وتدخل فيه عوامل سياسية، اجتماعية، واقتصادية. لكن الإجماع انعقد مؤخّراً على تعريف الفقر بأنه حالة من الحرمان المادي الذي يُترجَم بانخفاض استهلاك المواد الغذائية، وتراجع الوضع الصحي، وتدني المستوى التعليمي، فتعتمد الأسرة الفقيرة أو محدودة الدخل على أساسيات العيش، بمعنى أنها تحاول في سنوات حياتها التي تقضيها على الأرض الحفاظ على بقائها الفيزيولوجي لا أكثر.
*أسباب الفقر وآثاره على الفرد والمجتمع: جميعنا يعلم أنه ما من آفة أو مشكلة تطفو على السطح إلاّ ولها أسباب ومُسبّبات، كما يترتّب عليها آثار سلبية تظهر جليّة واضحة في تكوين الفرد والمجتمع على الصعيدين الشخصي والجماعي باعتبار أن الفرد أو المواطن هو مقوّم أساسي من مقومات المجتمع، ونهوض أي مجتمع يعتمد على نهوض هذا الفرد، كما أن انهيار أي مجتمع مرتبط ارتباطاً وثيقا بانهيار هذا المواطن. أما عن أسباب الفقر، فقد أكّدت معظم الدراسات ما يلي:
– سوء توزيع الثروات والموارد الخاصّة في أي بلد من البلدان، بحيث يستمتع أصحاب النفوذ بالجزء الأكبر منه على حساب الأغلبية.
– الحروب والكوارث الطبيعية التي تعود بالمجتمع إلى درجة الصفر أو ما دونها.
– الاتكال على الآخرين والتقاعس في أداء المهام والأعمال، فهناك رابط كبير بين الفقر والسعي نحو العمل، كثيرون يمتلكون قدرات وطاقات مهنية عظيمة لا يستغلون منها إلاً جزءاً بسيطاً بسبب كسلهم وعدم رغبتهم بالعمل.
أمّا عن الآثار الناجمة عن هذه الآفة التي غزت بيوت السوريين بعد أن كان غالبيتهم من المقتدرين فهي تتجلّى في:
-الاضطرابات النفسية، ذلك أن الفقر يؤدي إلى شعور الفرد بالدونية والقلّة مترافقة بالحاجة إلى تحقيق الرغبات مع عدم توفّر الإمكانات، ممّا يدفع بهم وخاصة الأطفال منهم والشبّان نحو سلوكيات وتصرفات غير سوية قد تصل في غالب الأحيان إلى السرقة، القتل، الاغتصاب، والانتحار، ارتفاع معدل السرقة في المجمتع، زيادة حالات الطلاق والتفكّك المجتمعي بسبب عدم قدرة رب الأسرة على توفير حاجاتها وما ينجم عن ذلك من خلافات ونزاعات تقود في نهاية المطاف نحو الانفصال.
*فوائد دعم الفقراء: بناءً على ما ذُكر، نجد أن لدعم الفقراء فوائد هامة منها:
– زيادة الوعي والتطور في المجتمع، فجميعنا يعلم أن المجتمعات الفقيرة مجتمعات متأخّرة بعيدة عن مواكبة ركب التطور والتقدم.
– السعي في دفع المجتمع نحو التقدم والتطور في كل المجالات العلمية، المهنية، الاجتماعية، النفسية، والصحية ذلك أن الفقر يهدم البنى التحتية للمجتمع، وكمواطنين فاعلين ضمن مجتمعنا لابدّ لنا من السعي للبحث عن حلول جذرية متكاتفين متكافلين حكومة وشعباً في النهوض من هذا الركام وفق آليات متنوعة تعتمد في أولى خطواتها على تعديل أساليب إدارة الميزانيات الحكومية والإنفاق العام بحيث يكون هناك توازن في العناية والرعاية وتقديم الخدمات لجميع المواطنين، مؤكدين أهمية المبادرات المجتمعية التي تكفل تقديم العون والمساعدة لأصحاب العوز والقلّة من خلال التبرعات التي تُعتبر طريقة سهلة وعصرية في مساعدة المحتاجين كما أنها تتوافق مع إمكانيات كل إنسان حيث يسعنا التبرع (بالمال، الطعام، اللباس، الدواء، الألعاب، الأثاث، الكتب…) والأمثلة على ذلك كثيرة.
الحياة جميلة وتتسع للجميع، لكننا نحتاج أن نكون على قدر من المسؤولية والأخلاق الإنسانية كي نحيا متناغمين متساوين في الحقوق والواجبات، فلنعمل على دعم من يحتاجون الدعم بعيداً عن الأنانية ورفض الآخر لأن قوة الفرد تنبع من قوة الجماعة وانهيار المجتمع يأتي من انهيار الأفراد.