هل أضحت الشتائم لغة التواصل؟!

وعد حسون نصر:

انتشر في الآونة الأخيرة استخدام الشتائم بصورة كبيرة بين الأطفال قبل الكبار، وباتت جزءاً من لغة التواصل داخل الأسرة وخارجها، حتى داخل مدارسنا ومجتمعاتنا التربوية، بين بعض طلابنا وحتى بعض معلمينا مع الأسف الشديد، وغدت الشتيمة لدى البعض كلمة سلسة اللفظ سواء في الخصام أو المزاح، وحتى أثناء الحوار العادي. والأكثر دهشة أن الشتائم ذاتها باتت لغة تواصلنا مع أطفالنا، وبتنا نلقي عليهم شتائم وألقاباً لم تكن تُذكر سابقاً. باتت الشتيمة في فم الأنثى عادية، وهنا لا أقصد التمييز أبداً، لكن من مبدأ أن للأنثى جمال كلامها ورقّة أسلوبها وحديثها، إلاّ أننا بتنا نلاحظ أن بعض الإناث أصبحن يردّدن الألفاظ النابية أكثر من الذكور.

ربما يعود انتشار هذه الظاهرة لأسباب عديدة، كالضغوط المتزايدة من حولنا على كل الأصعدة النفسية والشخصية وحتى الخدمية، فقدان مقومات الحياة، وفقدان الكثير من الخدمات، كذلك انتشار البطالة وقلّة السيولة المادية، والغلاء الذي طال كل مستلزماتنا الأساسية، هذه الأسباب اجتمعت لتكون سبباً في فقدان سيطرتنا على ذواتنا وإظهار توترنا، ولذلك قد لا يوجد أمامنا إلّا لساننا السليط وسيلة للتعبير عمّا في داخلنا من قهر، وبهذا نتوجه للآخرين بأقسى الألفاظ وأشدّها فجاجة. فإذا بحثنا في الأسباب وأبعدناها قليلاً عن محور حياتنا ربما نستطيع السيطرة على ألسنتنا والتخفيف من حدّتها وخاصة أمام أطفالنا. وإذا كان المعلم الذي هو القدوة في مدارسنا مهما كانت ظروفه خارج سور المدرسة مسيطراً على لسانه وألفاظه يستطيع السيطرة على تلاميذه والتخفيف قدر المستطاع من عنف الألفاظ فيما بينهم.

فلنبعد أطفالنا عن ضغوطنا ولنتجنّب توبيخهم وضربهم أحياناً عندما تصدر منهم شتيمة مع العلم أنهم أعادوا استخدامها وكرّروها من بعد أن سمعوها منا. علينا أن نعمل على كبح نفوسنا أولاً والسيطرة على لساننا كي لا ينطق بالمسيء، مع العلم أن فساد التربية في الأسرة والمجتمع لم يتوقف على الشتيمة بحدّ ذاتها، فوراء هذه الشتيمة بصوتنا المهزوم قهر وذل، سببه حرب سلبت البساط من تحت أقدامنا، والنور من مصابيح أحلامنا، وحتى الدفء من موقدنا، ورائحة الطعام من قدور منازلنا، وبعد كل هذا الحرمان هل ستصدر نفوسنا وألسنتنا شعراً وترانيم؟ لا أظن. فمهما حاولنا أن نكون مسيطرين على غضبنا سوف نفقد تلك السيطرة عندما يجهش طفلنا بالبكاء جائعاً ونحن لا نمتلك ثمن ظرف من الحليب أو ثمن ربطة الخبز، كذلك إذا تألّم كبيرنا أمامنا ودواؤه مفقود لا أظن أنّنا سنُعبّر ببسمة!!

ومع ذلك، أنا لست مع الشتائم ولا أبرّر استخدامها وخاصة في مدارسنا من قبل من هم قدوة لنا في المجتمع، لكننا في زمن باتت الشتيمة هي المتنفس الوحيد للتعبير عن غضبنا، والمتنفّس الوحيد لمعلم راتبه لا يكفيه ثمن أقلام السبورة، ولأب لا يعلم كيف يمضي يومه بأقلّ التكاليف ليستطيع تأمين القليل من احتياجات أسرته. وعلى الرغم من أن الشتيمة لغة الجهلة ومنبر الفاسقين، لكن بعد سنوات حربنا باتت الشتيمة سيفاً يُشهره الضعيف ليحارب به فساد الظالمين، وللأسف أن هذا السيف لا يُشهر إلاّ بيننا وبين أنفسنا ومع أفراد أسرتنا وأهل حارتنا، وبعدها تطول سياطنا أطفالنا لأنهم ردّدوا الكلام البذيء نفسه.

العدد 993 - 19/01/2022