الشهادة السورية اليوم.. مجهودٌ بلا صدى

يارا بالي:

في بلد ضاقت فيها سبل الحياة، واتسع الألم.. رسم البؤس فيها ملامح إنسان كامل.. إنسان يبحث عن فسحة أمل للعيش.. للحلم.. للاستقرار.. للقمةٍ الكرامة فيها محفوظة، وفيها العين تكتفي.. يبحث ويبحث.. ومازال يبحث، وإلى اليوم ضالته لم يلتقِ، ولم يجد!!

نعم، هذا هو المواطن السوري اليوم، وفي هذه الدائرة مازال يدور منذ عقد.. وهذا ما ترويه حكايا الأيام، وتفاصيلها اليومية في بلد تعجُّ بصخب الشباب، وعنفوان خطاهم.. في بلد فيها الإقبال على التعليم والتحصيل الجامعي واجب رغم الظرف الحاصل، ورغم كمية العراقيل والمشقات التي عاشها الطالب السوري، في ظروف الحرب منذ بدايتها وإلى الآن. فاليوم يتخرّج آلاف الشبان السوريين من مختلف الاختصاصات ومستويات التحصيل العلمي، فتتلقاهم الصفعة من الواقع، وتصدمهم بحال سوق العمل السوري، والشرخ الكبير الحاصل بين تعب السنوات وسهر الليالي، وما تطلبه فرص التوظيف العامة، والخاصة، فلا تكافؤ بين ما قدمه الطالب من سهر، وضغط نفسي، وتكاليف مادية، ومعاناة يومية، وتحمل للواقع البائس، من انعدام مواصلات، وغلاء أسعار فاحش… إلخ، وفرص العمل المطلوبة على أرض الواقع. ومع هذا الحال الظالم من ظروف معيشية قاسية جداً، ونقص فرص التوظيف المناسبة لشهادته في القطاعين العام والخاص، يضطر الخريج السوري للقبول بأي فرصة يجدها، لهذا أصبح واقع الأيام الحالية يعجُّ بمثال الآتي، إذ كثيراً ما أصبحنا نجد مهندساً يعمل بمحل بيع ألبسة، أو خريج تجارة يعمل في مطعم، أو حقوقياً يعمل في حرفة من الحرف. وبتدقيق النظر إلى فرص التوظيف الموجودة حالياً في سوق العمل، في القطاع العام سنجد قلّة في المسابقات المعلن عنها، وصعوبة بالتقديم عليها نظراً لكثرة الأوراق المطلوبة، وتباعد أماكن استخراجها، فضلاً عن اضطرار الخريج المتقدم بكثير من الأحيان إلى قطع المسافات بين المحافظات للتقديم.. وبحال النجاح في المسابقة، انتظار التعيين والمباشرة بالوظيفة أشهراً طويلة قد تصل للسنوات، وبعد الانتظار قد يأتي التعيين بمحافظة غير التي يقطنها الشاب الخريج، الأمر الذي يدفعه مجبراً إلى تحمّل أعباء مادية جديدة لتأمين السكن بالاستئجار، مع العلم بأن الراتب الذي يأخذه بعد كل هذا العناء قليل جداً ولا يتناسب مع التضخم الحالي الذي تحياه البلاد.

أما بالنسبة للقطاع الخاص، الذي إن قارناه بالقطاع العام يُعدُّ أفضل أجراً منه، ولكنه لا يخلو من السلبيات التي تجعله فرصة غير متوفرة، ولا مريحة في أغلب الأحيان.. فكثيراً ما نجد إعلانات عمل لشركات خاصة وبرواتب جيدة نوعا ما، وبشواغر مناسبة للشهادة الحاصل عليها الخريج، الأمر الذي يريحه نفسياً في بادئ الأمر، وتأتي الصدمة بعد ثوانٍ من استكمال الشروط التعجيزية على حدِّ وصف شريحة كبيرة من الشباب الطامحة، ولاسيما الذكور، إذ تنص الشروط المُعلن عنها في الشاغر الوظيفي المتاح، على حاجتهم لخبرة لا تقل عن سنتين وأحياناً خمس سنوات، وخدمة العلم المنجزة بالنسبة للذكور كشرط أساسي للتوظيف، فتعود مع هذه الشروط أحاسيس الإحباط وضياع الجهود المبذولة، للحصول على عمل يليق بالتعب والصبر. وبالغوص في سلبيات هذا القطاع أكثر، سنجد ظاهرة خطرة فيه، تبعد الإناث عن العمل الخاص غالباً، مهما كانت الإغراءات، والامتيازات… ظاهرة التحرّش من قبل رئيس العمل بالموظفات لديه، مستغلا الحاجة إلى العمل، والطموح لدى الفتاة، فكثيراً ما تقبل الفتاة الخريجة على العمل، لما فيه من امتيازات وعروض مريحة لها، فتُصدم بعد أيام قليلة بسلوك أرباب العمل غير اللائق، والمُخلّ أخلاقياً.. فتضطر للمغادرة بأسرع وقت، متنازلة حتى عن أجور العمل للفترة التي أمضتها فيه.

يطول الحديث ويطول في هذا السياق، وللكلام تتمة، إذ تُعدُّ الشهادة السورية من أفضل الشهادات على المستوى العالمي، ولاسيما قبل الحرب، كما وتُعدُّ قدرة الإنجاز والصبر لدى الشاب السوري الخريج خارقة، فالتعليم بظلِّ الظروف الراهنة أمر بغاية الصعوبة والتعجيز، ومن حق السوري أن يحيا بموطنه، والفرص له متناسبة مع الجهد، ومع الظروف.. فيأخذ كل ذي حق حقه، بلا قهر أو ذل.. ويبقى خير القول أن نقول ختاماً.. كلنا أمل أن نستيقظ على وطن مُعافى من الخيبة، وويلات الحرب، وطن فيه الغلبة للعلم والحق، لا للمال واللصوص، لنستطيع أن نقنع الأجيال القادمة، والناشئة أن التعليم واجب مقدس فيه الخير والرزق، وبه تُبنى الحضارات والأوطان.

العدد 987 - 30/11/2021