في زمن التصحّر واليباب.. العلم وأهله إلى خراب!

إيمان أحمد ونوس:

فيما مضى من زمن نسميه مجازاً بالزمن الجميل (لما حفل به من قضايا إنسانية وأخلاقية كبرى)، كان للعلم والمتعلمين مكانة مرموقة في المجتمع والدولة. ورغم أن هذا العلم كان محصوراً إلى حدٍّ ما بالطبقات الميسورة، إلاّ أنه كان حلماً وهدفاً لبعض الشباب (من الجنسين) في الطبقات المسحوقة والمقهورة، لما يجلبه لصاحبه من مكانة وأهمية على مختلف المستويات المادية والمعنوية.

ومع الانتقال إلى مرحلة (الاشتراكية) وإمساك الدولة بزمام ومقاليد الأمور كافة، صار التعليم مجانياً لاسيما في مراحله الأولى، فأصبح حقاً من حقوق الجميع بلا استثناء حتى وصلت الأميّة في المجتمع إلى مستويات ونسب مُتدنية تلاشت معها كليّاً في بعض المناطق، وهكذا إلى أن وصلنا عصر العولمة التي اجتاحت مجتمعاتنا بأبشع صورها وأشكالها السلبية لا أكثر، فجرى تسليع الإنسان وتشييئه عبر الضخّ المتزايد لإعلانات الربح الوفير بأسهل السبل وأيسرها، وغدا رأس المال ومن يملكه هو الحاكم بأمر العباد والبلاد حتى لو لم يمتلك من مقوّمات السلطة والسطوة والعلم أدناها، وهنا حصلت المفارقة الكبرى التي جرفت بطريقها دور العلم والمتعلمين وأهميتهما ولو كانوا بأعلى الدرجات الأكاديمية والعلمية، وهذا ما لمسناه في زمن الخصخصة التي طالت حتى التعليم، فقد بات تجارة رابحة لمن لا يملكون ربما شهادة علمية تؤهلهم لإدارة مؤسّساته من أدناها إلى أعلاها، لكنهم يملكون المال الذي يؤهلهم لتلك الأعمال والتجارة أو المتاجرة بها!

ولا يخفى على أحد ارتفاع نسب البطالة التي اجتاحت المجتمع منذ عقود وعقود خلت، فطالت حتى الخريجين وحملة الشهادات العلمية والأكاديمية، وذلك لأسباب تتعلّق بالسياسات والخطط الحكومية التي لم ترتقِ يوماً لا إلى احتياجات سوق العمل، ولا إلى التنمية المطلوبة للفرد والمجتمع، ما قاد بالتالي إلى تلك البطالة والبطالة المُقنّعة التي اجتاحت مؤسسات الدولة وقطاعها العام الذي بات هو الآخر بمثابة مأوى أو(تكّية) إن جاز التعبير لأصحاب الحظوة والواسطة ممّن لا دخل أو عمل أو مؤهل لديهم، في الوقت الذي لم يتجرأ القطاع الخاص أو لم يُسمح له بالمشاركة الحقيقية في قيادة اقتصاد البلاد، وبالتالي المُساهمة الجديّة في استغلال اليد العاملة المؤهلة والمُدربة علمياً، أو الاستفادة من خبرات الأكاديميين وحملة الشهادات الجامعية بحكم السياسات الحكومية ذاتها التي حظرت على الخريجين العمل خارج نطاق مؤسسات الدولة لمدة خمس سنوات، ما يُفقد أولئك كل مهارة ومتابعة مطلوبة لاحقاً.

إن هذا الواقع قلّل من أهمية العلم والمتعلمين في نظر المجتمع، ما دفع بكثيرين من الناس لعدم تعليم أبنائهم تعليماً أكاديمياً، بل الدفع بهم لسوق العمل مبكّراً كي يكتسبوا خبرة مهنية تؤهلهم لجني المال بوقت وزمن أسرع من الزمن الذي يحتاجه المتعلمون الذين باتوا مثار سخرية وشفقة لما يلاقونه أو ينتظرهم من مصير بائس بعد التخرّج في الجامعات والمعاهد، أولئك الحالمون بمستقبل ينتشل بعضهم وأسرهم من قاع الفقر، أو يرتقي ببعضهم الآخر إلى وظيفة تليق بتلك الشهادة وسنوات عمر أُهرِقَ على مقاعد الدراسة، فلا يجدون للأسف غير سراب وضياع قاتل في شوارع ومتاهات تسمع أنينهم، فالدولة تخلّت عن استثمار تلك الطاقات بتخليها حتى عن الالتزام بتوظيفها كما كان سابقاً بالتزامن مع عدم وجود قطاع خاص حقيقي يقيم وزناً للكفاءات العلمية إلاّ فيما ندر، ممّا أفضى بتلك الثروة الشبابية إلى مجاهل الضياع والدمار النفسي والروحي، أو الهجرة إلى أماكن تحتفي بهم وبإمكاناتهم، وتفسح المجال رحباً أمام مواهبهم وإبداعاتهم، وهذا ما ترك بلادنا في حالة من الشلل التام في زمن التصحّر الأخلاقي والإنساني لاسيما بعد حرب التهمت وما زالت تلتهم كل إمكانية لحياة كريمة تليق بالحدود الدنيا لإنسانية الإنسان وقيمته الأخلاقية الكبرى، فجعلنا نعيش خراباً مُتعدّد الأوجه والاتجاهات، حتى بتنا اليوم وأكثر من أيِّ زمنٍ مضى نهب دمار وتلاشٍ مُحتّم إن لم نسعَ للنهوض مُجدّداً وبقيم تُعيد أولاً وقبل أي شيء للعلم مكانته وأهميته بدل الخراب والدمار العلمي والأخلاقي الذي يلفّنا من كل حدبٍ وصوب!

العدد 987 - 30/11/2021