هل باتت شهادتنا العلمية تحت رحمة أصحاب المال؟

وعد حسون نصر:

يستوقفك إعلان وارد على صفحات التواصل الاجتماعي فحواه (عم دوّر ع مهندس/ـة عمارة…  للعمل بمحل قمايش بالحريقة، الشغل هو بيع وتلبيق قمايش للزباين، دوام تقريباً من الـ 10 حتى الـ 8 يللي مهتم يحكيني). طبعاً هكذا كانت صيغة الإعلان الوارد على صفحات معنية بفرص العمل في سورية!

إذا نظرنا إلى الإعلان من جوانب مختلفة نرى من حيث الجانب الشخصي لصاحب الإعلان أنه يريد أن يُسخّر ماله لشراء كفاءة أصحاب الشهادة، فهو يمتلك المال وقادر على شراء العقول، أو ليخبرنا برسالة صغيرة مضمونها أن في هذه البلاد المال سيّد الأحكام والحياة، أو فاتته فرصة أن يكون في حوزته المال والعلم مجتمعين فأراد أن ينتقم لذاته بشرائه أصحاب العلم بماله، فلا مجال لتفسير آخر، أو قد يكون هذا الشخص راغباً بتعيين شخص وصل بعلمه إلى نيل شهادة الجامعة ولم تتَح له فرصة عمل بمجال القطاع العام أو حتى الخاص، فأراد هذا الشخص مساعدته، ومع أن هذا التفسير غير منطقي بنظري، أو يجوز أنه رأى في نفسه منزلة عالية رغب أن يُسخّر لها مهندسين. لكن الفكرة، ما هو الرابط بين شهادة الهندسة ومهنة بيع القماش؟ لماذا لم يطلب خريج اقتصاد أو إدارة أعمال بحيث يكون له مبرّر أنك ترغب في محاسب كفؤ يحمل عنه مشقّة الحسابات من بيع وشراء. لكن ما علاقة الهندسة بالألوان إذا كنت تجد رابطاً بين الألوان والذوق والقماش؟! استدعِ خريج فنون أو مهن يدوية، فهو أقدر على دمج الألوان من غيره، أو كان باستطاعتك طلب مُصمّم أو مُصمّمة أزياء، كل هؤلاء أكثر فائدة لك من المهندس أو مهندسة العمارة، هل ترغب أن تبني قصراً من القماش أو متجراً من الخيطان أو حديقة من الأزرار والسحابات مثلاً؟ لا يوجد تفسير لهذا الإعلان الغبي سوى أنه مُستفز، وصاحبه يريد أن يُهين أصحاب الشهادة والفروع العالية بنقوده مستغلاً حاجة الكثيرين للعمل ضمن ظروف البلد الصعبة ليجعل منهم أقل منه شأناً، فهو سيّد المال وقادر على وضع شبابنا المثقف للأسف تحت رحمة نقوده ومتجره. لذا ولكيلا نكون تحت رحمة أرباب العمل والمال، نأمل من حكومتنا الكريمة بوزاراتها أن تضع ضمن مخططاتها وبرامجها مستقبل شبابنا الذي تخرّج في الجامعات باختصاصات مُتعدّدة وتقوم بتوفير فرص العمل لهم ضمن كفاءتهم، هنا فقط ستسيطر على جزء لا بأس به من البطالة، كذلك تحمي مثقفينا من الوقوع في مصيدة بعض الجاهلين من أصحاب المال والعمل. أيضاً لا ضرر لو أن بعض شركات القطاع الخاص تُعلن بين الحين والآخر عن مسابقات لتعيين أصحاب الشهادات والكفاءات ضمن اختصاصاتهم داخل المؤسّسات، فأقل ما يمكن هنا أن يتمتّع الخريج بوظيفة تليق به وباختصاصه وبضمان مالي وصحي واجتماعي، لأنه من المُعيب أن نقرأ صيغة هكذا إعلان على صفحات التواصل التي تغزو العالم الحقيقي وإن كان الغزو من العالم الافتراضي إلاّ أنه وصل للكثيرين، وجعل الكثيرين ينتابهم الفضول قبل الدهشة لمعرفة ما الربط بين بيع القماش والهندسة، مع العلم أننا أصبحنا في زمن العجائب بعد أن أضحى المال والسلاح وحتى النفوذ بحوزة من هم ليسوا أهلاً لذلك، وللأسف وظفوهم بغير مكانهم.

نأمل ألا نصل بالجهل إلى أكثر من ذلك كي لا نرى مع الاحترام والتقدير لجميع المهن أحدهم يطلب خريج طب للعمل مُستخدماً في متجره!

العدد 987 - 30/11/2021