شرعية الدولة ما بين ديمقراطيتها أو قسريتها

عهد بيرقدار:

تحقق الدولة اليوم في جميع أنحاء العالم سلطة شرعية على الأفراد المواطنين الذين ينتمون إليها. فكيف اكتسبت هذه الدول شرعيتها؟ وكيف تطور نظام السلطة إلى أن تبلور في شكل الدولة؟ وماهي المظاهر الاجتماعية لسلطة الدولة والمتمثلة في حياة الأفراد؟ وكيف يمكننا أن نفسر تلك السلطة للدولة وعلى ماذا اعتمدت لنشوئها وماهي أشكالها؟ أسئلة طرحها علم الاجتماع كغيرها الكثير من الأسئلة المثيرة للجدل، لكي يحقق فهماً أوسع للظواهر المجتمعية التي يعيشها الإنسان، لهذا نجد فلاسفة ومفكرين وعلماء كثر اهتموا ودرسوا وقدموا تعاريف متعددة للدولة.

في هذه المقالة سيكون الاهتمام موجّهاً لذكر نقاط رئيسية للطريقة التي تبلورت بها فكرة الدولة وتاريخ تكون السلطة وتطورها دون التوغل عميقاً في كل منها. إلى أن نصل إلى الطرق التي اكتسبت بها الدولة اليوم شرعيتها بين الأفراد والممارسات التي تنهَجُها لتعزيز نَهجِها وتقوية سلطتها، والآراء المختلفة التي ترى الدولة شرعية ديمقراطية أو شرعية قسرية.

تعتبر السلطة ظاهرة اجتماعية متغلغلة العمق في التاريخ البشري ومتحولة الشكل والممارسة، لكن الغاية الأساسية منها هي سيطرة فرد أو جماعة على فرد أو جماعة أخرى، بهدف فرض نوع من الآراء والتصرفات التي يرى المهيمن أنها الأنسب والأكثر منطقيةً وتحقق مصلحة الجماعة.

فتاريخياً لطالما شعرَ البشر بضعف وفضول نتيجة سعيهم لإدراك المعنى الحقيقي لحياتهم، وعدم قدرتهم على التنظيم الكافي لشؤونهم الاجتماعية فالتجؤوا إلى الأساطير الأولى التي قدمت لهم السُّبل لطريقة حصولهم على الصيد ونجاتهم من المفترسين. وبقيت لتلك الأساطير سطوتها على حياة الشعوب الأولى في كل ممارسات حياتهم المختلفة، بعيداً عن كونهم يؤمنون أو لا يؤمنون بتلك الأساطير، كان للجوء إلى طقوسها المختلفة لتنظيم حياتهم قوة وسطوة عليهم.

مع تطور النظام الاجتماعي للأفراد وظهور الديانات أصبحت سطوة الآلهة هي الأكثر هيمنة بين الشعوب، واستفادَ من تلك السيطرة الكهنة ورجال الدين لوضع مصالحهم الشخصية فوق آمال الأفراد بالحماية والحياة، وذلك عن طريق تنظيم ممارسات الأفراد المجتمعية. كانت لسلطة الأديان المتمثلة بالقوة الإلهية التي يُنتدب عنها كهنة يتحدثون باسم الرب ويفرضون قوته وحكمته وآراءه على الجماعة سطوتها وسيطرتها ضمن المجتمعات. ومع تعقيد التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تغيّر شكل تلك السلطة ومفهومها وتحولت إلى أشكال اجتماعية أكثر تعقيداً وأكثر توغلاً في حياة الأفراد وأهمها الدولة بأشكالها المختلفة.

مما لاشكَ به أن أشكال المجتمعات وتعقيد ترابطها وتطورها اختلف من منطقة جغرافية إلى أخرى، وارتبط بتعقيداتٍ اقتصادية واجتماعية مختلفة. لكن تلك الخطوط العريضة لنشوء أشكال السلطة كانت سمة ظاهرة لشعوبٍ عديدة. ومع نهايات الحروب وسقوط الإمبراطوريات والممالك وبدء نشوء الدول القومية، ابتدأ مشروع الدولة بالظهور بوضوح أكثر في جميع المجتمعات. فتكوين الدول القومية أصبح سمة عالمية وبدأ تقسيم العالم وفقاً لتلك الظاهرة.

في عصر التنوير ومع تبلور مفهوم الدولة وظهور العقد الاجتماعي القائم على أفكار الفيلسوف والأديب جان جاك روسو، والقائل بأن حاجة الأفراد للحماية ترغمُهُم على الانتساب إلى المجموعة وتتطلب منهم التنازل عن بعض حقوقهم مقابل خضوعهم لسلطة الدولة التي ستقوم بالمقابل بتأمين باقي الحقوق، وبهذا تحقق الدولة المصالح المشتركة للأفراد المتعايشين ضمن حدودها وتَفرضْ سَيطرتها وشَرعيتها بطريقة يَفترض العقد الاجتماعي أنها ديمقراطية وبإرادة الأفراد أنفسهم، منطلقين بذلك من الفوضى الطبيعية التي يحيا بها الإنسان إذا لم يلجأ لنظامٍ سياسي ينظم علاقاته الاجتماعية مع الآخرين. ففي خضوع الأفراد لسلطة الدولة يُبقون على مصالحهم الشخصية لكن تحت سلطة وسيطرة القانون التابع للدولة. يمثل العقد الاجتماعي للدولة شكلاً من أشكال الرؤى التي تصور الدولة بوصفها نظاماً ديمقراطياً قائماً على مصلحة الأفراد المشتركة، مبتعدين بذلك عن النظريات الاجتماعية الاخرى التي ترى أن الدولة سلطة في يد رأس المال يدير مؤسساتها بما يخدم مصالحه الشخصية، لكن تحت راية الحكم الديمقراطي والخيار المشترك للأفراد.

ومن الأمثلة على وصف الدولة كأداة للنظام الرأسمالي النظرية الماركسية التي ترى أنَّ الدولة لعبة خفية في يد رأس المال يدير بها الاقتصاد وطاقة الأفراد بالطريقة الأكثر ليونة والتقبل الشعبي، حيث يشعر الأفراد ولو وهماً بمسؤولية حكمهم الذاتي وضرورة الخضوع لقرارات الدولة، في حين أنهم ينفذون مصالح رأسمالية. ذلك أنَّ الأقلية الرأسمالية ستفرض قوتها وسلطتها على الأغلبية تحت راية تحقيق المصالح المشتركة التي يُضمَن داخلها المكاسب الشخصية. فإدارة الدولة ستبقى منحازة لطبقة معينة دون غيرها، وشرعيتها المستحقة من الأفراد ستزيد من بطشها عليهم بحكم أنهم هم من قرروا وجودها. فالماركسية ترى أن وظيفة الدولة ومؤسساتها هي حماية السلطة الحاكمة وإدارة شؤونها، فإن كانت الدولة ظالمة أو فاسدة فستقوم مؤسساتها بالدفاع عنها رغم ذلك. وقد وصف ماركس الدولة بأنها منحازة، ويقصد بها أن مؤسسات الدولة المختلفة هي المنحازة للطبقة الحاكمة والسلطة.

في حين يرى مفكرون اجتماعيون آخرون، ومنهم ماكس فيبر وبيير بورديو من بعده أن الدولة عبارة عن نظام قمع لممارسة العنف الرمزي والمادي على الأفراد اكتسب شرعيته من الأفراد أنفسهم، عن طريق فرض رؤيته وممارسة سلطته في جميع المؤسسات التابعة له ابتداءً من المدارس إلى مجالات القضاء المختلفة. ففي المدارس على سبيل المثال يتم تعليم الأطفال مناهج تدعم سياسة الدولة وتحقق غاياتها، كذلك الأمر تعليمهم الأسس الأنسب ليتعاملوا مع مؤسسات الدولة المختلفة عندما يصبحون أفراداً ناضجين. وبهذا تسعى الدولة عن طريق مؤسساتها تلك إلى فرض نمط معين ومحدود من العلاقات والأفكار التي ترى أنها الأنسب والأكثر ملاءمة لسياساتها. وتصبح بهذا البيروقراطية وسيلة لإخضاع جميع الأفراد إلى سلطة الدولة والالتزام بالتنقلات الورقية بحيث يكون الفرد مجبراً على العودة إلى الدولة في كل حركة يقوم بها. وبهذا تكون الدولة قادرة على فرض قوتها وممارسة العنف الرمزي أو المادي المشروع في حين قام أحد الأفراد بمناهضة سياستها.

لم يعد مفهوم الدولة بتشعباته المختلفة تلك خفياً على الأفراد، بل إن العلوم جعلت جميع تلك المفاهيم المختلفة للدولة في متناول الجميع. لكن هنا ينبغي علينا أن نعي ماهية الفلسفات المختلفة والمتغايرة ولماذا تتضارب مصالح الدول فيما بينها؟ وكيف يمكننا أن نرى أن نظاماً للحكم أنجح من غيره، وكيف أنَّ فكراً سياسياً يحقق مصالح مشتركة أو يخدم مصالح خاصة؟ هنا ينبغي أن نقف ملياً عند جميع المفاهيم السياسية، فتثقيف الأفراد وزيادة وعيهم بجميع النظريات الاجتماعية والسياسية على رغم صعوبته إلا أنه قضية يحق للجميع الوصول إليها لإنشاء وعي أوسع حول جميع المفاهيم السياسية التي يتضارب الحكام والدول اليوم لإرسائها في مناطق العالم المختلفة.

العدد 987 - 30/11/2021