نحو ثقافة لبناء مجتمع سليم وحكومات مفيدة

إبراهيم الحامد:

لا شك أن للبيئة دوراً في تنشئة الفرد فكرياً وعقلياً وصحياً، ولكن النظام الاقتصادي والمعيشي السائد له الدور الأكبر في إكساب الفرد الأنماط السلوكية اتجاه مجتمعه وبلده، لأن وجود الفروقات المعيشية فيما بين الأفراد، في المجتمع الواحد، تنتج الفروقات العقلية والفكرية لدى الأفراد، وهذه الفروق تكسب الفرد أنماطاً سلوكية قد تكون إيجابية أو سلبية، وكلما كان الأفراد يعيشون في سوية معيشية عادلة وموفرة للكرامة، ارتقى المجتمع نحو الأفضل وأنتج إدارات (سلطات) أفضل، أما إذا سادت في المجتمع الفروقاتُ الاجتماعية والمعيشية العميقة وظهر فيه التمايز الطبقي العميق، فإنه ينحدر نحو الحضيض وتنتج إدارات (حكومات) فاسدة. ولا يمكن بناء مجتمع سليم، مادام يوجد فيه أفراد مشردون، وأطفال يعيشون في قارعة الطريق ويتسولون ويمارسون سلوكيات مهينة لكرامتهم، لأن أولئك الأطفال والمشردين قد يصلون إلى مراكز حساسة في إدارة المجتمع (الدولة) وهم يدفنون الحقد والضغينة على المجتمع، ويسعون للانتقام بغرض إشباع رغباتهم الانتقامية من كل ما هو حسن وسليم.  ومن هنا يظهر أهمية النظام الاقتصادي الذي هو المرآة العاكسة للنظام السياسي في أي بلد، والذي يشكّل النمط المعيشي لأفراد المجتمع، فإن كان يمتاز بالعدل فإنه يبشر بمجتمع سليم، وإن كان يسوده التمييز والفروقات الطبقية الحادة فذلك ينذر بمجتمع متفكك وإدارة فاسدة يسودها الجهلاء ويُهان فيه العقلاء، ومن هنا يبدأ دور المثقف الملتزم بقضايا المجتمع للدفاع عن الأفراد والطبقات والجماعات المضطهدة و المهضومة حقوقها أيا كانت دون تمييز، وفي الوقت ذاته، يحث الطبقة السياسية الحاكمة لملاقاة مطالبهم ومنحهم حقوقهم المشروعة. كما يجب أن يدعوا القوى السياسية غير الحاكمة بتبني ذلك في برامجهم المطلبية. ومن المؤسف أن يظل  مجتمعنا مشلولاً ومريضاً في هذا الوقت الذي نبحث فيه عن ومضة ضوء، ليضيء آخر النفق المظلم الذي تمر فيه بلداننا ومنطقتنا، والذي تبحث فيه القوى الخارجية والطغم المالية الاستعمارية والغزاة عن ثغرة يتسللون منها لشرذمة شعوبنا وتشتيتها وتفريقها، وضربهم بعضهم بالبعض الآخر قومياً ودينياً وطائفياً وقبلياً، ويظهر هنا وهناك وفي هذا الوقت البعض من يدعي الثقافة في مجتمعنا كي يثير النزاعات والضغينة والأحقاد ما بين شعوبنا المتميزة بالتنوع الثقافي والتكامل الحضاري، فتارة ينكرون الآخر المختلف الموجود ما قبل التاريخ، بذريعة حرصهم على وحدة البلاد و نشر (فوبيا التقسيم والتجزئة) داخل المجتمع – مع العلم هم كانوا من أتباع الذين ساهموا في تجزئة المنطقة لدويلات، وكرسوها  من خلال تمسكهم  بالحدود المصطنعة – وتارة  يدعون الأصالة والوجود قبل وجود الآخر، فهم بذلك يخدمون الأجندات الخارجية، ويساهمون في إصابة المجتمع بالهشاشة والتشظي، بدراية منهم أو دون دراية، بسبب ممارستهم ثقافة الإقصاء والإنكار للآخر، التي كرستها الأجندات الخارجية بواسطة ممن جندوا وزرعوا في مجتمعاتنا حتى باتوا كجزء منها، وتراهم يطبق عليهم المثل القائل  (ملكي أكثر من الملك)!

من هنا يبدأ دور المثقف اليساري الحقيقي والملتزم والمدافع عن حقوق المضطهدين والمظلومين أيا كانوا، للوقوف بوجه هذه الذهنية المقنعة بثقافة الإقصاء والإنكار، والعمل على تكريس ثقافة الحوار وقبول الآخر، لأن الحضارة البشرية تراكمية وتكاملية، ومجتمع الشرق الأوسط وكل دولة فيه جزء من الحضارة البشرية، أفادتها واستفادت منها، وعليه أيضاً الحفاظ على التنوع  الثقافي وجعله ثراء وغنى لنا، بدلاً من جعله نقمة علينا، وللعلم  نؤكد أن الصراع الدائر في العالم تاريخياً، التي تثار اليوم في منطقتنا وعلى أرضنا، هو ليس صراع حضارات أو صراع  أديان أو قوميات أو طوائف، بل إن تلك الجزيئات، ما هي إلا أدوات تستثمر لأجندات خارجية، تستميل بها عواطف الجماهير المتضررة لتثنيهم عن مفهوم الصراع الطبقي وتهميشه، ولإضعاف القوى والأحزاب السياسية اليسارية التقدمية المناهضة للنظام الرأسمالي العالمي المتوحش ونيوليبراليتها الجديدة، وحرمانها من القاعدة الجماهيرية الواسعة المناهضة لتوجهات النظام الاقتصادي الاحتكاري والاستغلالي للنظام الرأسمالي العالمي المتوحش الجديد الذي يعمل من أجل إعادة ترتيب الشرق الأوسط وبما يحقق شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

أما بالنسبة لحل ومعالجة قضايا التنوع الثقافي وتعدد القوميات وحقوقها المشروعة في أي بلد، والتي لا يمكن إنكارها بجرة قلم في هذه الوسيلة الورقية أو تلك، أو حديث ارتجالي في هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، والتي لا يجوز ولا يمكن إنكارها أصلاً، لأنها محفوظة بذاكرة الجغرافيا والتاريخ الإنساني، فيجب أن تحل عبر الحوار الداخلي بعيداً عن الأجندات الخارجية والمصالح الفئوية والفردية الضيقة، وهذا ممكن إذا توفر لدى الجميع النية الصادقة، إضافة إلى توفر الشعور والحس الوطني العالي بالمسؤولية، وتبني ثقافة الحوار وقبول الآخر   .

العدد 987 - 30/11/2021