ملامح متغيرات عالمية مفصلية

د. صياح فرحان عزام:

تحتدم التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، على خلفية التناقضات البينية في المصالح السياسية والاقتصادية والتجارية، علماً بأن البادئ بإثارة هذه التوترات هي واشنطن في سياق مساعيها للمحافظة على التفرد بقيادة العالم من دون أي منافس.

هذا الأمر قد أيقظ المارد الصيني والدب الروسي، ودفعهما باتجاه البحث عن تطوير العلاقات بينهما، بما في ذلك التعاون العسكري إلى الحد الذي قد يصل إلى بناء شراكة استراتيجية كاملة وشاملة بين الجانبين في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.

إن المتتبع للتحركات الصينية في الآونة الأخيرة، يلاحظ نشاطاً مهماً ومتنامياً لبكين في العديد من مناطق العالم، ولاسيما في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وهو نشاط تتداخل فيه العوامل السياسية والاقتصادية والتكنولوجية مع استعراض القوة العسكرية كما هو الحال في المناورات العسكرية الصينية – الروسية المقررة في الأيام القليلة القادمة، بهدف تعظيم الدور الصيني في الساحة العالمية، بينما تسعى موسكو إلى تعزيز تحالفاتها في ضوء التحذيرات الأمريكية والتوترات المتزايدة التي تصطنعها والاتهامات لموسكو بأنها هي وراء الحوادث السيبرنانية التي استهدفت الوكالات الحكومية والبنية التحتية الأمريكية حسب مزاعم واشنطن.

لقد بات من الواضح أن هذه المناورات العسكرية الضخمة والمتعددة الأهداف والأدوات لا تشير فقط إلى تطور شراكة استراتيجية شاملة بين روسيا والصين فحسب، وإنما تشكل رسائل قوية إلى الولايات المتحدة بأن إمكانية قيام تحالف عسكري استراتيجي بين روسيا والصين قد يصبح واقعياً، إذا لم تتخلَّ الولايات المتحدة عن أطماعها ومساعيها في مواصلة الهيمنة الدولية على العالم منفردة.

وإذا جئنا إلى هذا التحالف الصيني الروسي نجده ينطلق من تلاقي مصالح الطرفين على قاعدة المتغيرات الدولية في عالم ما بعد كورونا، وحتمية المواجهة المشتركة للولايات المتحدة، ولتحقيق جملة من الأهداف تبدأ بإعادة هيكلة النظام الدولي من جديد، بحيث ينتفي فيه وجود لقطب واحد، هو القطب الأمريكي الذي يسيطر على مقاليد الأوضاع في الساحة العالمية، والتسليم والإقرار من قبل واشنطن بوجود عالم متعدد الأقطاب، يسمح للصين بالبحث عن دور استراتيجي قوي، وأيضاً يسمح لروسيا بإعادة هيكلة سياستها الخارجية في مناطق متعددة من العالم.

لاشك في أن هذا التحالف الصيني – الروسي سيضع الجانب الأمريكي في مأزق حقيقي، خاصة أن إدارة الرئيس الأمريكي بايدن لم تضع تصوراً لبناء نظام دولي جديد، كما أنها تخشى من أن يتحول التحالف الصيني – الروسي إلى تحالف دائم وفعال قولاً وعملاً، بعد أن صدرت إشارات متعددة في هذا الاتجاه، لعل أبرزها تصريح وزير الدفاع الصيني مؤخراً بعد لقائه نظيره الروسي في سياق التحضير للمناورات العسكرية التي أشرنا إليها قبل قليل والذي جاء فيه ما يلي: (إن هذا اللقاء لم يعجب بعض الدول، وهذا هو جوهر لقائنا بالضبط).

جدير بالذكر أن هذه المناورات العسكرية المشتركة بين الجانبين الروسي والصيني تثير مخاوف مسؤولي البيت الأبيض والبنتاغون، وإن كانت قد لا تؤدي إلى أزمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها تشكل دليلاً واضحاً على تنامي العلاقات الصينية – الروسية بشكل جدي وفي كافة المجالات، لاسيما في ظل استمرار استفزازات واشنطن لكل من موسكو والصين عن طريق فرض العقوبات الاقتصادية الجائرة ضدهما، وقضايا أخرى تخص الصين حصراً وفي مقدمتها قضايا (تايوان وهونغ كونغ)، والافتراءات الأمريكية بأن التقنية الصينية تغلغلت داخل مؤسسات البنى التحتية الغربية لاسيما منها الأوربية.

باختصار، لا يمكن للولايات المتحدة بإدارتها المختلفة جمهورية وديمقراطية أن تكف عن مساعيها الخبيثة باتجاه الاستمرار في الهيمنة الأمريكية المنفردة على العالم، إلا أن الأمور لن تسير من الآن فصاعداً حسب أهوائها ومطامعها.

العدد 981 - 20/10/2021