الصين في مواجهة تحالف (العيون الخمس)

د. صياح فرحان عزام:

ركزت معظم التحليلات السياسية مؤخراً على تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، بناء على تقارير تشير إلى مساعي الصين للتحول إلى قوة سيبرانية كبرى في العالم. ويبدو واضحاً أن التحدي الذي يشكله التقدم الصيني المتصاعد، في مجال تكنولوجيا المعلومات والصناعات التحويلية، أصبح مصدر قلق بالغ ليس لواشنطن فقط، بل لكل حلفائها في سياق منظومة الدول الناطقة باللغة الإنكليزية، التي تقيم فيما بينها تكتلاً أمنياً وثيقاً يعرف بـ(تحالف العيون الخمس)، ويضم أمريكا وبريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا.

وفي هذا السياق، يؤكد توم ميلر أن قدرة الصين الاقتصادية تقلق بشكل لافت الدول الأنجلوساكسونية، خاصة بعد مطالبة وزير الصناعة والتكنولوجيا الصيني بمراقبة تصدير المنتجات المرتبطة بالمعادن الأرضية النادرة التي تستخدم في التكنولوجيات الدقيقة، وفي صناعة الطائرات المقاتلة والصواريخ والهواتف المحمولة التي تسيطر الصين على أغلب صادراتها بنسبة تصل إلى 84٪، ويمكنها بذلك أن تحدث ضرراً كبيراً في اقتصادات (تحالف العيون الخمس)، وبناء على ذلك فإن دول هذا التحالف ترى ضرورة تقليص تبعيتها للمنتجات الصينية حفاظاً على أمنها القومي، خاصة بعد لجوء الصين في عدة مناسبات إلى تهديد شركائها بإمكانية فرض عقوبات اقتصادية للحصول على تنازلات في بعض القضايا (الخلافية)، وكردٍّ أيضاً على العقوبات الغربية التي تفرض عليها، ومن شأن كل هذه التطورات أن تدفع الرئيس الأمريكي بايدن إلى تبني خيارات متشددة ضد بكين، بهدف إجبارها على تغيير سياساتها التجارية تجاه (تحالف العيون الخمس) الذي بدأ يوسع صلاحياته للمحافظة على قوة المنظومة الأنجلوساكسونية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن يمكن القول إن نقطة القوة الرئيسية بالنسبة للصين تكمن في أنها تستطيع أن تواجه كل التقلبات التجارية بشكل أفضل من منافسيها، لأنها تمتلك بدائل تجارية متعددة وفاعلة، إضافة إلى أن خصومها يعتمدون عليها في مجالات عديدة، باستثناء قطاع المعادن الذي تبقى بكين رهينة لبعض شركائها فيه، لاسيما في مجال الحديد الأسترالي الذي لا تستطيع الحصول على كميات كافية منه من مناطق أخرى في العالم.

علاوة على ذلك فإن الصين وإن كانت تتجنب استعمال العقوبات الاقتصادية المؤلمة ضد خصومها أحياناً، فإنها تمتلك القدرة على الصمود في وجه الحروب التجارية، عندما تكون مقتنعة بأن المكاسب الاستراتيجية تتجاوز الخسائر الناجمة عن القيود التي يمكن أن تفرضها بشأن تصدير السلع الأساسية بالنسبة للاقتصادات المنافسة لها، لاسيما أن التحالف المذكور الذي تقوده واشنطن (تحالف العيون الخمس) يحتاج إلى عدة سنوات من أجل إيجاد بدائل للمعادن الأرضية النادرة القادمة من الصين، ليس لأنها قادرة كما يشير اسمها ولكن لكونها مكلفة وتصعب معالجتها.

كذلك تشير تقارير الخبراء الاقتصاديين إلى أن هناك مستوى مرتفعاً من التبعية الاستراتيجية بالنسبة لتحالف العيون الخمس تجاه الصين في العديد من المنتجات التي تنفرد بها الصين (وهي تعد المورد الرئيسي لها) بنسبة تصل إلى 40٪ من واردات دول التحالف، وذلك علاوة على أن الدول الأنجلوساكسونية تعتمد على الاستيراد لهذه المنتجات بمعدل يصل إلى 60٪ من احتياجاتها.

وبالمجمل فإن دول العيون الخمس تجد نفسها في تبعية مطلقة للصين في 17 من بين 99 من الصناعات الكبرى، لاسيما أستراليا التي هي في أمسّ الحاجة إلى الصين للحصول على المكونات الضرورية للصناعات المتعلقة بإنتاج المعادن، إضافة إلى نيوزيلاندا التي تصدر معظم إنتاجها الزراعي إلى الصين.

الخلاصة.. إن دول تحالف العيون الخمس ترى أن تبعيتها للتجارة الصينية تحدّ من استمرار هيمنتها الاقتصادية والسياسية والأمنية على العالم.

 

العدد 963 - 9/06/2021