أما آن لنا أن نعيش بسلام!؟

وعد حسون نصر:

بعد أعوام حملت في طيّاتها الحقد، أما آن لنا أن نعيش في تسامح؟ ألم تحصد الحرب سنوات من أعمار السوريين؟

 لقد طحنت تلك الحرب عظامنا بعجلاتها، دماؤنا امتزجت بحاقد وثائر، بدا أن في البلاد قسمين متناحرين، مع العلم أن كلا القسمين خسر (ولد، أخ، زوج، أب). هل من المعقول أن نستمر في تصفية بعضنا.. وأن ننحر بعضنا البعض تحت مسمّى الحرب وعدالة حسمها؟! أما آن للسوريين أن يُصفّوا حساباتهم بالحوار، وأن يركلوا أحقادهم بالتسامح؟! فقد ارتوت أرضنا من دمائنا وبتنا نأكل خبزنا بطعم أشلائنا، تعبت الروح من الكره الدفين المعشّش فيها، ضاق الصدر من خلجات ماضيه العائد مع الذكرى المؤلمة، جمعينا كنّا ضحايا، كنّا خاسرين أولاً في معركة قامت تحت مسمّى الحرية وانتهت بتشريدنا في أصقاع الأرض، نبكي الذكريات والتفاصيل البسيطة ورائحة الياسمين الدمشقي ومقاهي دمشق التي جمعت كل سوري على لعبة النرد والضحكات، وشرط الخسارة: صحن نابلسية من السواس، أو علبة بوظة من بكداش. تجمعنا سماء دمشق من كل طيف حول البحرة في التكية السليمانية، ولا نفاجأ أن هذا كردي وذاك يزيدي، هذا درزي والآخر مسيحي وغيره علوي وذاك سني ورفيقه شيعي، ونتساءل بعد ذلك: أمعقول أن توجد هذه المسميات في سورية؟! مع ضحكات وقهقهات الاستغراب تنفجر لتملأ المكان تعليقات ونكات وأحاديث تخصُّ العادات والتقاليد، وفرض دعوات لنتأكّد من حسن الكرم مع ضحكات ورهانات. كانت تجمعنا أغنية على أوتار البزق أو العود مغموسة بنقرات الدفوف لننشد الحب في دمشق، حنين حملناه معنا متناثرين في بقاع الأرض نرويه مع حفنة حزن في جلسات السمر لنختمه بعبارة الله على تلك الأيام ليتها تعود مع تنهيدة لشدّة اللوعة تشعر أنها ستخترق العالم لتصل إلى سورية الحبيبة.

نعم، بعد كل هذا نحن لم نعد نريد الحروب، لم نعد نرغب برؤية الدم السوري رخيصاً في كل مكان، لم نعد نريد ذكريات حنين تبكي حجارة المهجر تحت سقفه البارد، لم نعد نريد أن نشتم الماضي مع كل قطعة ثياب أعدنا  ترتيبها من جديد بسبب سوء الحال، لم نعد نريد رؤية أمهات ثكالى لشهداء جدد، فقد ضاقت القبور بجثث أبنائنا المسافرين إلى ربهم دون أن نرى وجوههم ونقبلهم قبلة الوداع، فقد أحكموا توابيتهم بمسامير نخرت عظام أمهاتنا قبل خشب التابوت، لم نعد نرغب أن نرى رسومات أطفالنا على اللوحة البيضاء بندقية أو دبابة، نريد أن نستمتع برسمهم لوردة ونهر وشجرة، كم نتمنى أن يُعاد مفهوم الطائرة الجميلة المحلّقة في السماء في مخيلة أطفالنا محمّلة بالورد بدل البارود.

فلنستعِد لغة الحوار بيننا نحن السوريين لأننا بحاجة للكلام أكثر من القتل، بحاجة للحب، للغناء، للسلام، وللتسامح.. اركنوا أحقادكم، مصالحكم بعيداً عنّا، فنحن بحاجة لنجتمع من جديد تحت سماء الوطن محمّلين بالحنين، نقف دقيقة صمت على أرواح شهدائنا أجمع من كل طيف ولون ومذهب وطائفة، وبعدها نتصافح مُعزّين بعضنا بالمصاب الواحد، لم تعد الروح تتسع للحزن، فالحياة تتطلّب منّا أن نسعى بفرح لنستمر فيها ونعود أنقياء.

نعم، نحن بحاجة للسلام داخل سورية ليعود البيت من جديد يجمعنا إخوة على قهوة الصباح وصوت عمالقته: (فيروز، وديع، نصري، أصالة، وصباح) وعلى غداء شهي عابق بالضحكات وسهرات مسائية نعزف فيها لحن السلام، ولا ضرر أن نصافح الجيران حولنا ونسلّم بالقبلات، نزورهم وندعوهم لزيارتنا لأن من واجب الجيران أن يكونوا معاً في السرّاء والضرّاء، فالجار أخوك القريب, يعرف عنك كل الأخبار. أطلقوا للريح أفراحكم، وادفنوا بالتراب الأحقاد لنعود سوريين إخوة، دعونا نخرج من باب البيت بحقائب حب نزور باقي الجيران وكرامتنا محفوظة، فقد عاد البيت من جديد للحياة وزرعنا الغار حوله وأطلقنا أسراب الحمام في السماء تُرسل من سورية للعالم السلام والحب.

العدد 943 - 13/1/2021