اتفاق شراكة واسع النطاق بقيادة صينية

د. صياح عزام:

أُنجز مؤخراً اتفاق تجاري واسع النطاق بين 15 دولة، منطقة جنوب آسيا المحيط الهادئ، وهذا الاتفاق سيسهم في رسم العالم الجديد الذي بدأ يتشكل منذ فترة، وتلعب فيه الصين دوراً قيادياً متنامياً، فالدول المنضوية تحت لوائه كشراكة اقتصادية إقليمية شاملة تمتلك ناتجاً إجمالياً هو الأكبر في العالم.

لقد تم التواصل إلى هذا الإنجاز الكبير بعد ثماني سنوات من المفاوضات المعقدة، على الرغم من أن بعض تفاصيله لا تبدو واضحة، في ظل عدم التجانس بين مستويات التنمية في الدول المشاركة في هذا الاتفاق.

من الناحية السياسية يعتبر الإعلان عن هذه الخطوة أمراً لافتاً، بالنظر إلى التغيرات المحتملة في تلك المنطقة، وارتباك اللاعب الأمريكي الذي يطمح إلى حضور قوي في أهم منطقة استراتيجية للاقتصاد والتجارة والأمن العالمي. والمثير للانتباه هو أن اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاندا تعد من الحلفاء الأقربين إلى الولايات المتحدة، ولكن يبدو أن المصلحة دفعت هذه الدول التي يمتلك أغلبها اقتصادات قوية إلى القبول مع دول (آسيان) العشر بقيادة الصين الإقليمية.

ولم يكن في الأمر مفاجأة، لأنه حصل كنتيجة طبيعية لسياسات الرئيس الأمريكي ترامب الذي قرر فور وصوله إلى البيت الأبيض عام 2017 الانسحاب من (اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ) بذريعة أنه (غير عادل)، في وقت يفترض فيه أن يسعى الرئيس المنتخب جو بايدن إلى إحياء الشراكة مع دول المنطقة، لكنه سيصل متأخراً على الأرجح، فطوال السنوات الأربع الماضية ضاعت على واشنطن فرص كثيرة، ومن غير المحتمل أن يتداركها بايدن بسهولة وبشكل سريع.

وفي تعليق على الاتفاق قال رئيس الوزراء الصيني لي كي تشيانج: (إنه يجلب شعاعاً من النور والأمل وسط غيومٍ من السحب الداكنة). ومما يدل على ذلك أن معظم الدول ضاقت بالأزمة الطاحنة التي سببتها جائحة كورونا، وكلها تبحث عن طرائق جديدة للتعافي من هذا الفيروس، وهو ما دفع قادة دول (اتفاق هانوي) إلى المسارعة بالتوقيع على أمل أن تتمكن بلدانهم من تجاوز آثار الوباء، والوصول إلى فوائد اقتصادية واجتماعية في أقرب وقت ممكن.

ومع أن التوقعات تشير إلى أن (الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة) قد تدخل حيز التنفيذ بداية عام 2021، فإن هناك عراقيل محتملة تتعلق باحتمال تعثر مصادقة السلطات التشريعية لبعض الدول على الاتفاقية، وهو ما يكون مدخلاً لتعطيل تنفيذه أو تأخيره، بعض الشيء، لاسيما أن الولايات المتحدة وحلفاؤها لم ترحب بالاتفاق، وقد تلجأ واشنطن خاصة إلى محاربته وتسعى إلى إحباطه بشتى الطرق والوسائل.

إن هذا الاتفاق سيدخل التاريخ على أنه أول إنجاز واضح تحققه الصين في محيطها الحيوي، كما سيمثل خسارة أمريكية فادحة جلبها الرئيس دونالد ترامب لبلاده، بسبب ما أقدم عليه من شن حروب تجارية وفرض عقوبات وأشكال أخرى من الحصار منذ أن جاء إلى البيت الأبيض على عدة دول وخاصة على الصين وروسيا.

إذاً، الصين والولايات المتحدة الأمريكية قوتان تسيران في اتجاهين مختلفين، والسبب في ذلك يعود لسياسات ترامب وحروبه، ولكن من الواضح والملموس أنه في الوقت الذي تتعقد في أوضاع الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً، وحتى عسكرياً، وخاصة في ظل سياسة الثور الهائج ترامب، تعزز الصين قواعدها التجارية والاقتصادية في مختلف أرجاء العالم، خاصة بعد أن تصدت بنجاح لجائحة كورونا وانتصرت عليها وهيأت لما بعدها.

العدد 944 - 20/1/2021