ثقافة القيم وتعزيزها في زمن (قيصر)

عباس حيروقة:

من البداهة أن تفرز الحرب، بسنواتها الطوال العجاف، طبقة طفيلية شبّت في الظلام وفي الأقبية الرطبة، فنمت وتطاولت وطالت الكثير الكثير مما حولنا، إلى أن وصلت في الأشهر الأخيرة حدّ الرغيف.

نعم، طبقة طفيلية مخيفة متجردة من كل قيم الخير والمحبة والجمال، ومن كل المبادئ التي تربى عليها المواطن السوري، ففرضت بسطوتها ونفوذها واقعاً مخيفاً لم نكن نتصور أن نشاهده حتى على شاشات السينما العالمية.

فرضت واقعاً كان في بادئ الأمر بمفردات خجولة، وقد أشرنا إليها كغيرنا بالبنان محذّرين، ولكن مع مرور الأيام والسنوات أصبحت من مفرداتنا اليومية.

الواقع الذي نعيشه اليوم لا شكّ أن للحصار العالمي الجائر اليد الطولى في وصولنا إليه، وتعزز أكثر عبر تنفيذ وتطبيق قانون (قيصر)، ولكن، لكيلا يكون (قيصر) هو الشمّاعة التي نعلق عليها فسادنا وقبحنا وتردّينا الأخلاقي، علينا أن نكون أكثر جرأة وأن ننظر في مرآتنا ونرى ما نحن عليه من قبح وفساد وإجرام بحق سوريتنا النور.

وعندما نقرر أن نقف تلك الوقفة النقدية الذاتية، نكون قد بدأنا بالتفكير، بدأنا أن نعي ما نحن عليه من خراب، ولنا في قول فيلسوف الفكر والنقد أفلاطون: (نحن مجانين إن لم نفكر، ومتعصبون إن لم نُرد أن نفكر، وعبيد إن لم نجرؤ على التفكير).

علينا أن نتحرر من عبوديتنا ونصرخ صرختنا المدوية كسوريين، في وجه قبح العالم.. كما علينا أن نطلقها في وجه أبناء جلدتنا من الطفيليين الفاسدين الذين تخلوا عن قيمهم السورية، بل الإنسانية، مقابل ماذا؟!

نحن في مرحلة يجب أن تكون القيم والأخلاق هي القانون السائد الذي يحكمنا.

علينا أن نعزز وان نكرّس القيم ونستنهض ما تبقى منها كي تسود وتعم يومياتنا المتعبة الحيلة النازفة.. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تعرية القبيح، وما أكثرهم! والإشارة إلى فعلته المشينة بحقنا نحن أبناء القمح والماء، أبناء الرغيف.

لنقُل لأصحاب الصيدليات الذين يشطبون كل أسبوع التسعيرة الموضوعة على علبة الدواء ويكتبون عليها تسعيرة جديدة تنهك المواطن: إنكم ذراع آخر لقيصر!

لنقُل للأطباء الذين يرفعون تسعيرة المعاينة من 3000 ليرة، إلى 5000 إلى 8000 في وجه المواطن السوري المريض النحيل المنكوب: إنكم أقبح من وجه قيصر!

لنقُل لأصحاب المحال التجارية، والمستودعات، لبائعي البنزين المنهوب والمسروق والذي من المفروض أنه من استحقاقنا، من جيوبنا، والذين تقاضوا سعر لتر البنزين الواحد، بعد إضافة الماء إليه: 3000 ل. س: إنكم دواعش الداخل!

لنقُل لسائقي (السرافيس) الذين يستلمون المازوت بالسعر المدعوم ويبيعونه بالسوق السوداء للمحتاجين من فلاحين وغيرهم ويوقفون (سرافيسهم) أمام منازلهم ويمتنعون عن القيام بمهامهم الأخلاقية في توصيل الطلاب والموظفين وباقي المواطنين إلى أماكن عملهم، ليكونوا لقمة سائغة في يد سائقين آخرين فيبتزونهم بطريقة خطرة…

لنقُل.. ولنقل.. وقبل كل شيء، لنقُل للجهة المسؤولة عن كل ما ذكرنا أعلاه، والتي وضع المواطن والوطن لقمته وكرامته بين أيدي أصحاب القرار فيها: أين أنتم من كل ما جرى ويجري؟!

لتكن تلك بعض صدى صرخاتنا المدوية في وجه القبح.. في وجه أعداء الرغيف!

العدد 933 - 28/10/2020