كالعيس في البيداء…


عباس حيروقة :

في كل مرّة أزور فيها مدن وقرى اللاذقية وطرطوس، تنفرد أمامي بإلحاح بعض أسئلة الوطن الأهم، حين أرى ما أراه من هدر مميت وقاتل وشنيع لمياه الأنهار والينابيع العذبة، من خلال تركها تمشي الهوينى وعلى مرأى ومسمع أهل المكان وزوّاره، لا سيما الجهات الوصائية، ومن السلطتين (التنفيذية والتشريعية) التي من المفروض أنها معنية بتأمين الحاجات الأساس والبدهية للمواطن، أقلّها مياه الشرب؛ فأردّد ما كتبه ذات يوم طرفة بن العبد:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

والماء فوق ظهورها محمولُ
كتبنا غير مرّة قائلين إن ثمة قضايا بديهية من المفترض أن لا يختلف في أمرها اثنان، وفي حال العمل عليها ستنعكس نتائجها على جميع أبناء هذا الوطن المعطاء الطافح بالخير وبالمحبة، ومن هذه القضايا على سبيل المثال الحاجة والضرورة التي توجب أن يكون في الساحل السوري معملٌ للعصائر الطبيعية، لا سيما أننا كنّا نرى ولأكثر من عام كيف أن المزارعين امتنعوا عن جني مواسم الحمضيات بسبب أسعارها الزهيدة جداً التي حددتها الجهات المعنية، والتي لا تكفي لسداد أجور اليد العاملة والنقل و…الخ.
وكيف أنه لا يختلف اثنان أيضاً من أن إيقاف زراعة مادة الشوندر السكري في منطقة الغاب وفي غيرها، وتعطيل معامل السكر ساهم في تعطيل عجلة الاقتصاد، فانعكس سلباً على المواطن والوطن.

وعوداً على بدء أقول: منذ سنوات، بل منذ عقود، نرى كما رأى غيرنا أن مياه الأنهار دائمة الجريان، وكما يقال: على عينك يا تاجر، تصبّ وهي بكامل عذوبتها في البحر، بكامل غزارتها، ولا سيما في فصلي الشتاء والربيع، ونحن بكامل دهشتنا واستغرابنا واستهجاننا نراقبها في قرانا ومدننا الممتدة على ضفافها وفي جوارها، ونحن بكامل عطشنا وعجزنا نترقب ساعة تحن علينا المؤسسة العامة لمياه الشرب، ونطالبها بتخفيف برنامج التقنين.

ثمة أنهار وينابيع وبالمئات هنا وهناك، لو استثمرنا بعضها لما سمعنا بشيء اسمه التقنين.

على سبيل المثال نرى في طرطوس نهر الصوراني وأيضاً الخوابي، الذي تغذيه عشرات الينابيع الغزيرة ودائمة الجريان، وهذا بعض ما شاهدناه بأم أعيننا، وأضاف لنا صديق من أبناء المكان فقال: عشرات الينابيع في وادي العيون وفي الديرون، والعشرات منها في قرية نرجس وأيضاً في كفريّا الشرقية.

إضافة إلى نهر قيس الممتد من الدريكيش وصولاً إلى البحر، وكل تغذيته من الينابيع الغزيرة.

وما نراه في اللاذقية لا يختلف عما رأيناه في طرطوس ولا سيما في ريف جبلة الذي يعاني من العطش، وفي المقابل نرى مياه نبع السن تمشي الهوينى تجاه البحر.

نعم، هي غصة تلو الغصة وحرقة وألم وعذاب تراكم يوماً إثر يوم، والسؤال الذي يطرح هنا وبقوة هو التالي:

لمصلحة من كل هذا الهدر لمياه الشرب، وفي الوقت نفسه تعيش مدننا وقرانا ما تعيشه من ظمأ مديد!؟

لمصلحة من تترك مواسم الحمضيات تموت (على أمها) في أرضها، في حين يشتري المواطن ظرف العصير الاصطناعي (بودرة) بسعر يفوق أضعاف سعر الكيلو غرام الطبيعي!؟؟
لمصلحة من جرى إيقاف زراعة الشوندر السكري، ثم إيقاف إنتاج السكر في معاملنا، حتى صار مواطننا يصارع ليشتري كيلو غرام السكر بـ 1200 ل. س؟؟
أما آن لهذا المواطن، الذي قدم أغلى ما يملك، أن ينعم بخيرات أرض بلاده؟؟
أما آن أن نمتلك القليل من الجرأة ونصرخ صرخة بحجم رغيفنا وقطرة مائنا في وجه كل هذا الخراب الممنهج المدروس لسوريتنا!؟
أن نصرخ بالقول:
رغيف قمحنا لنا!

وماء ينابيعنا وأنهارنا لنا!
بحارنا.. أناشيد أطفالنا لنا! ولنا كل هذا الوطن المفعم بالجمال وبالجلال وبالكمال!

العدد 929 - 30/09/2020