أهلي لا يفهمونني.. هم موضة قديمة وتفكيرهم لا يصلح لزماننا!

أنس أبو فخر:

إن علاقة الأبناء والآباء وما تحتويه من اختلافات في الرأي والسلوك وأساليب الحياة، دائماً ما تأخذ مظهر التناقض، ذلك أن لكلٍّ منهما رؤية وشخصية وأفكاراً بُنيت في فترات زمنية متباعدة، تختلف فيها الأوضاع الفكرية والثقافية والتكنولوجية والاقتصادية وحتى السياسية، وهذا ما يسمّيه علماء النفس وعلم الاجتماع (صراع الأجيال) الذي يتمثّل بالفجوة الكبيرة بين الآباء والبنين.

إن هذه الظاهرة موجودة منذ القِدم سواء في زماننا هذا أو السابق أو اللاحق، وهذا بسبب ديناميكية المجتمعات وتطورها المستمر، ففي كل حقبة زمنية جيلٌ جديد يقع في صراعٍ مع الجيل السابق، ويرى بعض الآباء أن هذا الأمر غير صحيح ويقوم برمي الاتهامات على جيلنا هذا بمؤازرة سرعة التطور في عصر الثورة التكنولوجية. ولكن، إذا قام آباؤنا بالعودة لذكرياتهم في عمرهم العشريني، سيجدون أنهم كانوا، بشكل أو بآخر، على خلافٍ في العديد من المواضيع مع آبائهم، وكلّما عادوا في الزمن للخلف أكثر سيجدون أن هذه الفجوة كانت ما بين جيلهم وجيل آبائهم أو الأجداد، وبالتالي هذه المشكلة الاجتماعية ليست حديثة الولادة، إنما هي حالة طبيعية في كل زمان ومكان، وتتغذّى على سلوك المجتمعات الفطري في مواكبة العصر الذي يعيشونه والتماشي مع التطورات باستمرار وبلا توقّف على الإطلاق.

يتعامل الأهل مع الأبناء حتى عندما يكبرون على أنّهم أطفال لابدّ لهم حين اتخاذ أي قرار في حياتهم، صغيراً كان أم كبيراً، من الرجوع لآبائهم. بل ويفرض بعض الآباء قرارات سياديّة فوقيّة على الأبناء، يعتبرونها واجبة التّنفيذ من دون نقاش أو حوار أو إقناع، فيحرمون أولادهم من تعلُّم الخبرات ومن التّمرُّس على اتّخاذ القرارات وتحمُّل تبعاتها. لذا لابدّ من التحذير من تلك السلوكيات لأنّها لا تكون في الطّريق الصّحيح أبداً، بل تزيد المشكلة بين الآباء والأبناء سوءاً واحتداماً.

اختلاف الأوضاع يترتّب عليها صراعات

من النادر أن نجدَ شابّاً لم يسمع من والده جملة: (عندما كنت في عمرك، كنت أعمل كذا ولديّ كذا وأقوم بكذا …الخ)، ولا يوجد من لم يتذمّر من هذه المقارنات غير العادلة والناتجة عن صراع الأجيال، فالكثير من الآباء مازالت عقارب ساعاتهم متوقفة عند عام 1990 أو 2010 على أبعد تقدير، ومازالت رؤيتهم للحياة مبنية على أغنية الفنان جورج وسوف (لسّا الدنيا بخير يا حبيبي)، هذه المشكلة تجعل علاقة الأبناء مع آبائهم في شرخ واتساع مستمرين، إذ إنهم لا يستطيعون تقبّل تغيّر الأوضاع، ويكون تقييمهم للأبناء على أساس الماضي، فمن غير المقبول لهم مثلاً بلوغ الابن سن الثلاثين عاماً دون أن يكون متزوجاً ومنجباً لطفل على الأقل، وبالنسبة للأبناء فإن هذه الخطوة عند البعض، وأنا منهم، انتحار، كذلك هو الأمر في باقي التفاصيل سواء في العمل أو الدراسة أو حتى المصروف، فالشاب اليوم يحتاج إلى ما يفوق المئة ألف ليرة شهرياً حتى يستطيع الحياة بشكل مقبول، في حين أن آباءنا كانوا يحتاجون إلى مئة ليرة فقط!

كذلك الحال بالنسبة لعمل الشباب وأساليب جمع المال، فغالبية الأعمال والمشاريع في يومنا الحالي، تعتمد على البرامج والإنترنت والأدوات التي يراها الأهل مضيعة للوقت، وعليه فإن هذا الاختلاف الطبيعي جداً ينتج عنه الكثير من الخلافات وسوء العلاقة بين الطرفين، وذلك لانعدام الوقاية من جهة الآباء ومن الضغوط النفسية الكبيرة التي فرضتها الحياة على الأبناء.

العولمة وأثرها على صراع الأجيال

وسائل التواصل هل تؤجّج الصراع؟

عند الحديث عن مفردة العولمة يتبادر لأذهاننا ما قرأناه في المدارس عنها خاصة في التربية الوطنية، ولكن ما أريد قوله ليس من الناحية الوطنية على الإطلاق، لكنني اخترت المفردة المناسبة التي يقول معناها إن العالم أصبح قرية صغيرة، ولم تعد المجتمعات مختبئة خلف أسوارها ومنعزلة عن الشعوب الأخرى ومنطوية على ذاتها، ما نتج عن ذلك من تبادل ثقافي وفكري وخضاري كبير بين الشعوب له الأثر الأكبر في تجاوز الخطوط الحمراء للعادات والتقاليد والأعراف في أي مجتمعٍ كان.

إذا ذهبت إلى أي أب وسألته عن هذا الجيل، أكاد أجزم أن أوّل إجابة له ستكون إنه جيل عديم المسؤولية، وهي الإجابة ذاتها إن سألت الجد عن جيل ابنه وجيل حفيده، وكلاهما سيرويان لك كيف كانت حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وبالتالي فإن أثر العولمة كبير جداً، لأنها قدّمت لكل شعبٍ ومجتمع ثقافات جديدة وعادات مختلفة وجدها أكثر ملاءمة لشكل الزمن الحاضر، فالأجيال الحديثة تميل دائماً للتمرّد ومحاولة التغيير لأنها بهذا تشعر بالاستقلالية والوجود، وهذا ما يراه الآباء نوعاً من عدمية الأخلاق والمسؤولية والمحافظة، ولذلك لا يتقبّلون الملابس الجديدة والأزياء التي نستطيع الاختصار فيها كمثال لباقي التفاصيل.

أما (السوشال ميديا) التي جسّدت مفهوم العولمة بشكل واضح، فهي تساهم بشكل كبير في صراع الآباء والأبناء، لأنها أمّنت للأبناء بوابةً سرّية يستطيعون من خلالها الحياة خارج السلطة الأبوية، فباتوا يشكّلون علاقات وصداقات باختلاف الهويّات والأجناس والأعراق، وللأسف فإن الآباء ينظرون إلى هذا الأمر على أنه عنصر إفساد لهم ولتربيتهم، وذلك بسبب انعدام الواقعية والقناعة عند مستخدمي هذه التطبيقات مثلاً، وأحياناً تكون المتطلّبات فوق قدرة الأهل، وبعض الآباء يحاولون فرض سلطتهم على أبنائهم بشكل أو بآخر، وهذا ما يُحدثُ أيضاً شرخاً أكبر في علاقتهم ببعضهم، فيلجأ الأبناء لكتمان ما يقومون به عن آبائهم، في الوقت الذي يقع فيه الآباء بشباك السّادية في التربية الذي يؤدي لخسارة الطرفين.

في المحصّلة، كل ما في الأمر أن الزمان اختلف، فالانفتاح الثقافي والاجتماعي جعل من الملابس رونقاً جديداً تخطّى سابقه الذي تخطّى أيضاً الذي سبقه، وكذلك الحال لحياة الموضة بشكل عام، إضافة إلى الاختصار والتبسيط في بعض العادات والتقاليد لما فرضته الحياة وظروف العمل، ولكن وللأسف هذا التفهّم للواقع غير موجود، كذلك الأسلوب الحاد من الأبناء والمتعجرف بنظر الأهل يزيد الطين بلّة.

هل ثمّة حلول؟

بالطبع، ولكن الحلول ليست عقاراً طبياً سريع المفعول، فلا يوجد فعلياً حلّ إنما يولد الحل بعد التنازلات البسيطة من كلا الطرفين، هناك مثل شعبي يقول (إن كبر ابنك خاويه!) أي اتخذه أخاً وصديقاً لك، ولا أرى أبلغ من هذا الوصف للآباء، لأن التنازل البسيط والتخلّي عن عنفوان الأبوّة وسلطتها قد تخلق جسراً بين الجيلين، كما تُشجع الانفتاح في العلاقة والطمأنينة، وهذا ما يجعل الأبناء يتكلمون براحة ويجعل الآباء أكثر استيعاباً وتفهّماً للعصر الجديد وأدواته، إضافة إلى تخلي الآباء عن تقييد حرية الابن ومنعه من ممارسة تجارب الحياة واكتساب الخبرات منها، فليس بالضرورة أن ما فعلته أنت كأب أو كأم هو صحيح، وكذلك ليس بالضرورة أن يفعل الأبناء هذا، فلكل زمان رجاله ولكل مقام مقال، وتقديم النصيحة لا يعني بالضرورة تنفيذها وليست دائماً صحيحة!

أمّا من جهة الأبناء، فيجب أن يأخذوا بعين الاعتبار وبكلّ محبة وتقدير نصائح ذويهم لهم، لما فيها من خبرات حياتية واجتماعية ومقصدها دائماً الخير، والتقرّب منهم وتقبّل اختلاف العمر والفكر والواقع، وعدم تحقير هذا الأمر، لأنّكم ستكونون مكانهم مع أبنائكم، فبناء علاقة من الصداقة معهم ستجعلهم أكثر اطمئناناً عليكم وأكثر تقبّلاً لحياتكم ومتطلّباتها وسلوكها.

العدد 932 - 21/10/2020