جريمة قتل

د. أحمد ديركي:
وفقاً للأقوال المتداولة في المحيط، هناك ارتفاع ملحوظ في نسبة ارتكاب الجرائم، مع ملاحظة أن معظم، إن لم يكن كل، هذه الأقوال مصدرها منصات التواصل الاجتماعي والأكثر شهرة فيها (Facebook) وبخاصة بعد ارتكاب كل جريمة ينتشر (خبرها) على منصات التواصل الاجتماعي، ويندر ذكرها في غيره من وسائل الإعلام. ينتقل (الخبر) من هذه المنصات ويصبح (حديث) الناس وتحليلاتهم ومقارباتهم لهذه الجريمة.
وهنا يمكن طرح السؤال التالي: هل فعلاً هناك ارتفاع أو انخفاض في نسب الجريمة، وتحديداً في دول (العالم الثالث)؟ وهنا نحاول حصر الموضوع بجرائم القتل.

للإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة إلى التقارير الدورية الصادرة عن مؤشرات الجريمة في البلد، سواء كانت هذه التقارير محلية أو دولية.
فماذا يحدث عند البحث عن هذه المؤشرات؟

عند البحث عن مؤشرات الجريمة تصطدم، وبشكل مختصر، بما يلي: تشير معظم التقارير الدولية إلى أن نسبة الجريمة في دول (العالم الثالث) هي الأعلى في العالم، ويمكن متابعة الأرقام عبر التقارير الدولية المنشورة على الشبكة العنكبوتية، بينما تتناقض هذه المعلومات مع تصريحات المسؤولين في هذه الدول في ظل غياب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الهيئات الحكومية لهذه الدول حول الجريمة.
أيهما أصدق؟ لا إجابة!

ما يؤكد مجدداً أن (العالم الثالث) يشتهر بغياب المؤشرات والإحصاءات والدراسات والمقاربات العلمية للظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية! فتصبح كل المؤشرات الصادرة عنه إما غير موجودة من الأساس، وإما لا مصداقية لها.
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على غياب المشروع، ولن نغوص هنا في مفهوم (المشروع!).

التخبط وتغييب الإحصاءات والمعلومات الموثقة أعطى الـ(Facebook ) أي كل ما يرد عليه من أخبار ونقاشات و…، (مصداقية) لا مصداقية (الخبر).
ما جعل منه (مصدر) المعلومات المتداولة ما بين الناس، وصار يشكّل، من خلال ما ينشر عليه من معلومات، سواء كانت صحيحة أم كاذبة، أحد المصادر الفاعلة في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع، أو بعبارة اخرى (الرأي العام) الذي يلعب دوراً رئيسياً في مسألة مسار البلاد.

بالعودة إلى الجريمة، الجريمة: مصطلح غامض في مدلولاته، ويعود غموضه إلى الخلفية الفكرية التي يعتمد عليها في صياغة المفهوم.

بعامة يمكن القول إن الجريمة، بالمعنى الواسع، هي خرق قوانين (الدولة) سواء كان الخرق اقتصادياً أو اجتماعياً أو سياسياً، ولكل مستوى من مستويات الخرق للقانون مستوى مساوٍ له في العقاب، فعلى سبيل المثال عدم التقيد بالوقوف على إشارة المرور الحمراء لها ما يوازيها بالعقاب القانوني، وقتل إنسان لإنسان (لغير حق) والحق هنا أيضاً بالمفهوم القانوني الصادر عن الدولة، له ما يوازيه من العقاب القانوني.

قتل الإنسان للإنسان ليس بالمسألة المستحدثة في تاريخ البشرية، وتعيد الأساطير الدينية ارتكاب أول جريمة قتل في تاريخ البشرية إلى قصة قابيل وهابيل، ومن خارجها فكل مطلع، ولو بجزء يسير جداً، على تاريخ البشرية يمكنه لحظ قدم ارتكاب جريمة القتل وما زال الأمر قائماً.

مع تطور العلوم وتغير نمط الإنتاج وما نجم عنه من تغيرات جذرية على كل المستويات، حاول العديد مقاربة (الجريمة) بعامة، والقتل بخاصة وأصبح حالياً هناك تخصصات أكاديمية في هذا المجال، ومنها على سبيل المثال (علم الجريمة) criminology))، وعلم اجتماع الجريمة. وليكن هناك علم يقارب مسألة ما فهذا يعني لا بد من وجد منهج له للمقاربة. رغم كل تفرعات علم مقاربة الجريمة، سواء العلم الاساسي، علم الجريمة، أو علمها الناجم عن تفرع علم آخر مثل علم اجتماع الجريمة، تعتمد الخلفية الفكرية للمقاربة، أي المنهج، على إحدى المدارس الفكرية الأربع.

المدرسة الهوبزية: مؤسسها توماس هوبز، وتؤكد هذه المدرسة على مسألة الخير والشر، ومتأثرة بالفكر الديني في مقاربة هذه الإشكالية. كون الإنسان (شرير) بطبيعته فالقتل طبيعة بشرية. لذا كان لا بد من وجود ضابط أو رادع لهذا (الشر) ويمثل الرادع بـ(الدولة)، فتصبح لازمة الوجود بوجود (الشر) فكان كتابه leviathan)) أفضل تعبير عن هذه الفكرة.

المدرسة الداروينية: مؤسسها تشارلز داروين، وتؤكد هذه المدرسة، وتسمى في بعض الأحيان التطورية evolutionary))، على أن القتل طبيعة بشرية. وتعتمد في منهجها على تطور الإنسان من حيوان أدنى منه، والأدنى من الأدنى منه وهكذا دواليك. عملية التطور للوصول إلى الجنس البشري لا تعني الانقطاع التام مع ما سبقه. وعقل الإنسان، حتى في حالته الراهنة بجنسهhomo sapiens) ) ما زال يحمل مورثات ما سبقه وتحديداً أول جنس له الذي تعرف تسميته بـhomo) ) ويمكن العودة إلى كتابيه the origin of species) ) وthe descent of man) ) وما تفرع عنهما لاحقاً من دراسات ومدى تأثير فكره على تشكيل منهج علم الجريمة وما يتفرع منه.

المدرسة الفرويدية: مؤسسها سيغموند فرويد، وتعتمد في مقاربتها لجريمة القتل على (عدم إشباع الرغبات) التي فقدها الإنسان (البدائي) مع بزوغ الحضارة البشرية، وما دام هناك (حضارة بشرية) تعمل على (عدم إشباع رغبات الإنسان) فالقتل قائم، وكلما ازداد الإنسان حضارة زادت مستويات (عدم الإشباع) وأصبحت أكثر تعقيداً بإضافة (غريزة الموت) لتكون النتيجة أن الإنسان (يزداد وحشية) أي القتل موجود منذ بزوغ (الحضارة البشرية). بعبارة أخرى القتل طبيعة بشرية ما دام يعيش في حضارة. ومؤلفاته كثيرة يمكن من خلالها تتبع هذه الفكرة، ومن أبرزها ما كتبه قبل وفاتهcivilization and its discontents). ).
المدرسة الماركسية – اللينينة: مؤسسها كارل ماركس وفردريك انجز، وما أضافه عليها لينين. وتعتمد في مقاربتها للجريمة على أنها نتاج واقع اجتماعي، مع لحظ أن (الاجتماعي) هنا تطول الاقتصادي والسياسي، لا مسألة طبيعة بشرية. فالإنسان ليس بالشرير بطبيعته، كما يصفه هوبز، ولا هو قاتل بطبيعته، كما يصفه داروين ويؤكده فرويد، بل إن طبيعة المرحلة التاريخ التي يوجد فيها الإنسان هي التي تحدد طبيعته. أي أن الطبيعة البشرية متغيرة لا ثابتة، وتخضع في تشكلاتها للظروف الاجتماعي الموجود فيها. لا يعني هذا أنه غير فاعل في تغير الظروف، فالمجتمع البشري في حال ديناميكية دائمة. وبشكل مختصر، قد يكون (البيان الشيوعي) وضع أسس هذه الفكرة منذ بدايته عندما قال ما التاريخ إلا صراع طبقي. و(التاريخ) هنا يبدأ مع تشكل نمط الإنتاج المرتبط بمفهوم (الملكية الخاصة).
فكل من يجيد قراءة التاريخ يمكنه لحظ أن الإنسان في مرحلة (القطاف) كما يطلق عليها الانتروبولوجيين، لم يكن يعرف قتل الإنسان للإنسان. وهنا يمكن العودة إلى مؤلفات ماركس وانجلز ولينين ومن أتى بعدهما، أو مجرد قراءة رواية (الجريمة والعقاب) بتمعن يمكنه أن يلحظ ما ورد.

تتسيد المدارس الثلاث الأولى الساحة العالمية، فيتسيد فكرها على معظم المقاربات المتعلقة بعلم الجريمة، وتصبح تفسيراتها وتعليلاتها ومقارباتها وحلولها للجريمة قائمة على مبدأ كون القتل طبيعة بشرية، لذا لا يمكن التخلص من هذه الظاهرة الاجتماعية، وجل ما يمكن القيام به هو (ضبطها) وهذا ما يحدث على مستوى العالم حالياً وينعكس في أقوال العامة عند حدوث جريمة قتل، تعمم على Facebook))، أو عبر غيره، فتكون الدعوة العامة إلى حضور الـ leviathan) ) ليطبق (العدالة) بمعنى القضاء على (الشر) أو بمعنى ضبط (الطبيعة البشرية). فيحضر الـ leviathan) ) شاهراً سيفه ليطبّق (العدالة) بمفهوم المدارس الثلاث الأولى، وبتطبيقه هذا يمتن موقعه وموقع المدارس الثلاث ويجر العامة خلفه وبشكل مواز يضرب المدرسة الرابعة ليتخلص منها.

العدد 928 - 23/09/2020