ماذا سيفعلون تحت قبّة المجلس؟!

كتب رئيس التحرير:

سيتعرّف السوريون على مجلس تشريعي آخر.. سيضمّ وجوهاً جديدة دون ريب، لكن السؤال الملحّ الذي تفرضه معاناة جماهير الشعب المعيشية خلال سنوات الجمر: هل سينقضي زمنٌ طويل قبل أن يلمس المواطن دور هذا المجلس في ضمان حريته.. وكرامته، واختيار السياسات الاقتصادية للبلاد.. أو التراجع عنها، وتداعيات هذه السياسات على الأوضاع المعيشية والاجتماعية التي يواجهها؟ رغم أن صلاحيات المجلس ومهامه حسب نصوص الدستور تعطيه الحق في التصدي لهذه المهام الكبرى!

ما ظهر جلياً للمواطن، في العقود الماضية، أن السلطة التنفيذية بحاجة إلى سلطة تشريعية تمرّر القوانين المؤسِّسة لرؤيتها الاقتصادية، لكنها لا تحتاج إلى من يراجع القرارات والإجراءات المتخذة لتنفيذ هذه الرؤية، والنتائج المرحلية والنهائية التي أفرزتها، ومدى مطابقة المؤشرات الاقتصادية للواقع، وكيف انعكست هذه الرؤية على أوضاع فئات الشعب المختلفة.

وساعد السلطةَ التنفيذية للمضيّ في تفرّدها في رسم السياسات والإجراءات الاقتصادية وتنفيذها، تولّي حزبٍ واحد قيادة الدولة والمجتمع، استناداً إلى نصوص الدستور الذي كان سارياً آنذاك، وعدّل في عام 2012، وأيضاً إلى عرف غير مكتوب.. لكنه واجب التنفيذ، بعدم تدخّل السلطة التشريعية، التي تضم أكثرية مطلقة لممثلي الحزب الحاكم، إضافة إلى أقلية تمثل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وبعض المستقلين، في تتبّع تنفيذ السياسة الاقتصادية للبلاد، وترك الأمر لقرارات الطاقم الاقتصادي للحكومات.. واجتهاداته.. وتجاربه.

تجري الانتخابات النيابية القادمة في البلاد، وهي الاستحقاق الدستوري الأبرز، في ظل ظروف استثنائية، وصعبة على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

فما تزال بلادنا تخوض مواجهة مصيرية ضد بقايا الإرهابيين، وضد العدوان التركي الغاشم، ومقاومة الاحتلال الأمريكي، ومن أجل استعادة الجولان المحتل من قبل الكيان الصهيوني، والحفاظ على وحدة شعبها. ومازال شعبنا رغم معاناته المعيشية والاجتماعية والإنسانية يقف وراء جيشه الوطني المقدام لإنجاز هذه الاستحقاقات الوطنية، ويطمح إلى مستقبل ديمقراطي.. علماني.. تقدمي.. معادٍ للإمبريالية والصهيونية، ولمشاريع الهيمنة والاستقطاب.

هذا النضال الوطني الذي تخوضه سورية وشعبها، يجري في ظروف حصار جائر، وعقوبات اقتصادية قاسية، أدّت، إضافة إلى الخسائر التي تكبّدها اقتصادنا الوطني بفعل جرائم الإرهابيين، إلى تراجع جميع المؤشرات الاقتصادية، وإلى حالة من الركود والانكماش، انعكست على الصعيدين المعيشي والاجتماعي، وأدت إلى ارتفاعات متواصلة لأسعار جميع السلع والخدمات الأساسية للمواطن السوري، وتراجع قيمة الليرة السورية إلى مستويات قياسية، وقزّمت الأجور والمداخيل، وحوّلت ملايين السوريين إلى خانة الفقر.. والفقر المدقع، في الوقت الذي اقتنصت فيه فئات من النخب البازغة ظروفَ الحرب والمعاناة لتكديس الثروات، والتحكم بالأسواق، وعقد الصفقات، والمضاربة في الأسواق البيضاء والسوداء، وشبكات فساد مدّت خيوطها إلى مفاصل أساسية في الأسواق والإدارة. وفي الوقت ذاته عانت فيه الحكومة من تخبّط وارتباك في سياساتها الاقتصادية والمعيشية.

المعضلات الاجتماعية والمعيشية هي  الهمّ الأكبر الذي ينبغي على ممثلي الشعب المنتخبين أن يعملوا على ملاقاته، وتخليص جماهير الشعب السوري من أعبائه، فالفقر والبطالة والهجرة الداخلية والخارجية وتدني الأجور قياساً إلى ارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات الفئات الفقيرة والمتوسطة، وتطوير العملية التربوية من خلال تحديث المناهج، وإنصاف المعلمين، ورعاية عائلات الشهداء العسكريين والمدنيين، وتسهيل عودة المهجرين إلى منازلهم وبيوتهم، ووضع التشريعات التي تنصف المرأة السورية وتساويها بالرجل، وتحفز مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية في ظل علمنة الدولة، وتحييد التأثير الديني والطائفي في وضع القوانين، وممارسة الدولة لمهامها كراعية لجميع المواطنين.

كما تنهض أمام المجلس الجديد مهمة تلبية طموحات الشباب السوري، وتوفير فرص العمل لهم، ومساعدتهم في تأمين مستقبلهم.

جميع هذه الإجراءات ينبغي أن تتحقق، حسب اعتقادنا، مع تشريعات وممارسات لا هوادة فيها لمكافحة الفساد، وسدّ الثغرات القانونية التي يتسرب منها، بعد أن تحول إلى عائق أمام تحقيق أي تنمية حقيقية للبلاد.

وهذا يتطلب مراجعة جميع السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعتها الحكومات منذ بداية الأزمة، وإلغاء ما تسبب منها في زيادة معاناة الناس، وهمّش مطالبها الأساسية، بعد أن أدت هذه السياسات إلى تحول جوهري في دور الدولة من راعية للفئات الفقيرة والمتوسطة إلى محايدة.. بل محفزة لفئات مقتدرة.. وثرية.. ومستغلة لظروف الحرب الصعبة.

ونأمل أن يمثل هذا المجلس أوسع تحالف للقوى الوطنية المعبّرة عن خيارات شعبنا السياسية والاجتماعية دون العودة إلى الاستئثار.. والتفرّد.. وفرض الرأي، وأن تُمثَّل فيه الجبهة الوطنية التقدمية بشكل فعلي.. لا رمزي، باعتبارها تحالفاً بين القوى السياسية الوطنية الأساسية في البلاد، تزداد أهميته في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بلادنا، ويبرز دوره الأساسي في توحيد كلمة السوريين باتجاه استمرار الصمود.. والمواجهة.

المطالب السياسية الديمقراطية، والاقتصادية الاجتماعية المحقة التي يجمع عليها المواطنون السوريون، والتي أكدت مشروعيتَها الأحزابُ والقوى السياسية والمجتمعية، تفترض حسب اعتقادنا تفعيل مساهمة ممثلي الشعب-وخاصة ممثلي حزب البعث العربي الاشتراكي الذي نتوقع حصوله على الأكثرية المطلقة في الانتخابات القادمة- في وضع جميع السياسات التي تتعلق بحرية المواطن.. وأجوره.. وفرص العمل المقدمة له.. وغذائه.. وتعليمه.. وضمانه الصحي والاجتماعي ومتابعة تنفيذها.. ومراجعتها، وإلّا ماذا سيفعلون تحت قبّة المجلس؟!

العدد 928 - 23/09/2020