هوس

د. أحمد ديركي:

تعتبر (التنافسية) جزءاً أساسياً من بنى نمط الإنتاج الرأسمالي. وكلما ازداد هذا النمط الإنتاجي تطوراً، ازدادت معه شدة (التنافسية) تطوراً. وكيف لا يكون هذا وهي جزء أساسي من بنيته؟!

حالياً في مرحلة ما يطلق عليه تسمية زمن (العولمة)، والأصح (النيو ليبرالية)، التي تمثل مرحلة من مراحل تطور نمط الإنتاج الرأسمالي، تأخذ (التنافسية) أشكالاً متعددة لتفرض وجودها، كمتمّم (إيديولوجي)، على بنى المجتمع والسياسة والاقتصاد، مبرّرة وجودها وكأنها إحدى (خشبات الخلاص) لمعظم المآسي والآفات الاجتماعية السياسية والاقتصادية التي يعاني منها الجنس البشري الموجود تحت مظلة هذا النمط الإنتاجي.

فأصبحت (التنافسية) هوساً يصيب الجميع أفراداً ومجتمعات! والهوس يصنف ضمن الحالات المرضية التي تصيب الأفراد والمجتمعات على حد سواء، ولن نذهب هنا إلى مسألة العلاقة ما بين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع والفرد، ومدى صوابية علم النفس في قراءة هذه العلاقة، أو مدى عدم صوابيته.

الهوس حالة مرضية يعني وجوب معالجتها، وإلا ما من حاجة لتصنيفها ضمن لائحة الأمراض المسببة (أضراراً) على كل المستويات. ولكن المفارقة العجيبة مع (التنافسية) هي أن الهوس ليس حالة مرضية بل حالة (صحية)! يجب تغذيتها بشتى الوسائل الممكنة لأنها تخدم مصلحتها، و(التنافسية) تخدم مصلحة تمتين بقاء نمط الإنتاج الرأسمالي. وبهذا يتحول المرض إلى حالة صحية والحالة الصحية إلى مرضية!

كيف لهذا أن يكون؟ لنأخذ مثالاً توضيحياً على المسألة:

معظم مجتمعات العالم، حالياً، مصابة بمرض الـ(سلفي) (selfy). أينما توجهت وإلى أي مكان ذهبت، بغض النظر عن الفوارق الطبقية للأمكنة، يمكن لحظ مجموعات من الأشخاص، أو أفراد يتوقفون عن النشاط الذي يزاولونه، مثل تناول الطعام، أو المشي، أو التبضع أو… ليأخذوا صور (سلفي). ولا يكتفون بصورة أو صورتين، بل عموماً يأخذون أكثر من عدة صور لاختيار واحدة منها! على الصورة المختارة أن تكون (الأجمل) كي توزع بين المجموعة، أو لتنشر على صفحات التواصل الاجتماعي أو ترسل للأصدقاء أو الأهل أو…الخ. السؤال ليس لمن ترسل وأين تنشر، بل لماذا اختيار (الأجمل) من بين جميع الصور الملتقطة؟!

ليس من السهل الاجابة بشكل مختصر، بل هي محاولة أولية للإجابة، على أمل أن تستكمل من قبل الزملاء المتخصصين بهذا الشأن. مع (العولمة) عُمِّم مفهوم (الأجمل)، على الإناث والذكور فـ(الأجمل) يحظى بفرص أكبر لتحسين موقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي! وهذا ما يمكن لحظه من مسائل عالم التلفزيون أو السينما، أو الغناء، لا الطرب، أي بعامة عالم التمثيل والإعلان. وأصبح معيار الجمال مسألة أساسية أهم من المضمون. فيتشكل بوعي العامة فكرة أن الجمال مفتاح الطريق للحصول على (ترقٍّ اجتماعي). و(الترقي الاجتماعي) هنا بمفهوم الانتقال من موقع اجتماعي إلى حال أفضل. والأمر عينه ينطبق على الواقع السياسي، فهل منكم من لاحظ صور المرشحين للمراكز الرسمية في السلطة السياسية كيف تكون؟ أو كيف تبدو الشوارع المصورة إن مر بها زعيم ما؟ أو مدرسة تزورها شخصية (رسمية)؟!

بالعودة إلى الصورة (الأجمل)، وتحديداً في عالم الـ(سلفي)، لا بد للهواتف الذكية أن تطور كاميرات هواتفها لإعطاء الصورة (الأجمل)! ومن يتتبع عوالم الهواتف الذكية، بكل أصنافها المشهورة، يمكن لحظ مدى تركيزها على دور الكاميرا! وكلما استطاعت إحدى هذه الشركات (المتنافسة) إقناع (المشتري) بمدى جودة الكاميرا ارتفعت نسبة مبيعاتها. فيزداد هوس الـ(سلفي) من أجل الصورة (الأجمل) وترتفع نسبة أرباح الشركة بسبب ارتفاع مبيعاتها في السوق!

والأمر عينه ينطبق على الأمور كافة، فينشأ الهوس في الحصول على رقم واحد في كل شيء! مثلاً رقم واحد في مبيعات الهواتف الذكية شركة… رقم واحد في مبيعات السيارات شركة… رقم واحد في مبيعات الألبسة الرجالية شركة… رقم واحد في مبيعات المجوهرات شركة… وكلما ازداد التركيز على رقم 1 ازداد الهوس بالحصول على هذا (المُنتج)! فارتفاع مستوى (الهوس) يؤدي إلى ارتفاع أرباح الشركات.

ولكن في الجهة المقابلة للهوس بالرقم واحد ومحافظة الشركات على هذا الهوس الاجتماعي، بالدرجة الأولى لأنه استهلاكي، هناك التحول الملحوظ من شركات إلى شركة، أي من الجمع إلى المفرد! والمقصود بهذا كلما زادت (التنافسية) المترافقة بالحالة (الصحية) للهوس ارتفعت مستويات الاحتكار! وفي عالم الهواتف الذكية، مثلاً، السوق العالمي محتكر من قبل شركتين أو ثلاث، وبقية الشركات غير القادرة على التنافس مصيرها الموت. وقد يكون المثال الأوضح على هذا، عندما يُفتتح (مول) في منطقة ما، تقفل كل الدكاكين المجاورة له لعدم قدرتها على منافسته! فيتوسع (المول) ملتهماً إياها وتتحول الدكاكين الصغيرة إلى دكان كبير اسمه (مول)، ومعه ترتفع نسبة الهوس بالشراء من (المول)! قد يكون هذا أمراً طبيعياً في مسيرة تطور نمط الإنتاج الرأسمالي، ويمكن لحظه في أكثر بلدان (المركز)، ويعمل على دراسته بأشكال متعددة وبحقول مختلفة لتوجيه (الهوس) بما يخدم مصلحة نمط الإنتاج، ولكنه في الدول (الطرفية) (وفقاً لتعريف سمير أمين) ذات نمط إنتاج كولونيالي (وفقاً لتعريف مهدي عامل) تصبح الأمور أكثر (هوساً) لأنه هوس مشوه غير مدروس! وبهذا كلما ارتفعت مستويات (الهوس) في بلدان نمط الإنتاج الكولونيالي، ارتفعت مستويات استهلاكها واستنزاف مواردها وتكريس تبعيتها، وارتفعت في المقابل مستويات فائض القيمة في دول المركز!    

العدد 922 - 12/08/2020