الدراما تصوغ الوعي الجمعي بتصرّف

إيمان أحمد ونوس:

يُجمع الباحثون في شأن الفنون البصرية ومنها التمثيل أن الدراما تعود بجذورها إلى مصر الفرعونية وأثينا اليونانية، وقد اكتسبت حينذاك بُعداً دينياً نظراً لنشأتها داخل أروقة المعابد بإشراف الكهنة.

ظهر مصطلح الدراما التي ترجع بأصولها إلى اللغة اليونانية القديمة، فأصلها كلمة (dram) وتعني الفعل والحركة، لذلك عرّفها أرسطو بأنها محاكاة لفعل نبيل. وقد قام اليونانيون بتقسيم الدراما إلى عدّة مستويات وهي (المأساة، والملهاة، والكوميديا) لكن هذا التقسيم لم يُخرج الدراما اليونانية من الإطار الديني، وحدث لها ما حدث للدراما في مصر الفرعونية حين ظهرت فيها الديانات اليهودية والمسيحية التي اعتبرت الدراما فعلاً وثنياً نظراً لارتباطه بالمعابد التي تُعدُّ بنظر تلك الديانات المآل الوثني في مصر الفرعونية، لذا حُكِمَ على الدراما بالتحريم والإعدام. لكن هذا التحريم لم يدم طويلاً، إذ رأى بعض رجال الدين في الدراما وسيلة لخدمته من خلال الفرق الدينية التي تُقدّم تعاليم السيد المسيح، وهكذا بقيت الدراما تتأرجح ما بين عباءة دين وآخر، إلى أن بدأت ملامحها الحديثة بالظهور كتعبير فني عن أفعال الإنسان ومواقفه على اختلافها وتنوعها، بل يمكن رؤيتها على أنها تعبير عن الحياة بتفاعلاتها ومشكلاتها.

لقد استفادت الدراما من التطورات المُصاحبة للنهضة الصناعية سابقاً والتكنولوجية لاحقاً، فانطلقت إلى عالم أكثر رحابة وانتشار مع ظهور التلفزيون الذي عمل على نشر الدراما التليفزيونية في النصف الأول من القرن العشرين في أوربا وبالتحديد في فرنسا، ثم انتقلت بعدها إلى جميع أنحاء العالم. وهكذا حلّ التلفزيون في العديد من البلاد العربية ومنها سورية في ستينيات القرن الماضي مُستنداً إلى بعض الأعمال الدرامية البسيطة شكلاً ومضموناً.

ويمكننا القول إنه رغم التطورات التكنولوجية الهائلة اليوم، ما زال التلفزيون يحتفظ بمكانة كبيرة في كثير من البيوت، لما يرتبط به من مشاعر الألفة والراحة والتخلّص من التوتر وأعباء اليوم.

 منذ ذلك الحين، بدأت الدراما العربية تعكس قضايا المجتمع العربي، مثلما تعكس ثقافته وعاداته وتقاليده، فقد سلّطت الضوء على واقع المجتمع بإيجابيات وسلبياته مؤكّدة ضرورة معالجة مختلف الموضوعات المطروقة أو المطروحة بطريقة صحيحة، كي تدخل إلى قلوب الناس بأثرها الإيجابي والفعّال، وهذا ما جعلها اليوم أشدَّ تأثيراً على الأجيال الجديدة بشكل أعمق وأكبر بكثير من الأجيال السالفة، بسبب تطور الوعي والثقافة والعلوم والتقنيات التي دفعت هذه الأجيال لرؤية الأعمال الدرامية بمنظور مختلف ومُغاير إلى حدًّ كبير مقارنة مع الأجيال السابقة، ما أخضع تلك الدراما للنقد بشقّيه السلبي والإيجابي، مثلما خضعت للكثير من المتغيّرات التي وجدت نفسها بمواجهتها بعد أن كانت قد أكّدت سابقاً أن الدراما والتلفزيون والسينما لا تستطيع جميعها أن تغيّر المجتمع، وإنما الواقع الاقتصادي هو الذي يقوم بإحداث تغييرات جذرية فيه. غير أن الواقع لاسيما في ظلّ هيمنة وسائل الإعلام على الحياة قد برهن أن للدراما دوراً لا يقلُّ أهمية وتأثيراً عن الاقتصاد بكل تجليات تأثيراته في المجتمع، وذلك بحكم الوعي الذي أحدثته ثورة الاتصالات من الناحية الإيجابية، والذي دفع بالغالبية لعدم تقبّل ما يُقدّم لها، إن لم يكن على تماسٍ مباشر مع قضاياها الحياتية والإنسانية وعلاقتها بالآخر أو رؤيتها له، وهنا اتضحت أهمية الحالة التثقيفية والتوعوية المُلقاة على عاتق الدراما، لاسيما بعد النهوض الرائع والراقي للدراما السورية على مستوى العالم العربي في العقود التي سبقت حرب السنوات التسع، التي ما زال لهيبها مُستعراً في بعض المناطق، وكان لها الحصّة الكبرى في العديد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية خلال العامين السابقين.

إن الواقع الذي كانت عليه الدراما السورية آنذاك، قد فرض نوعاً من الانتقائية الإيجابية للموضوعات التي تمّ تناولها لاسيما فيما صار يُعرف بظاهرة الدراما الرمضانية، باعتبار هذا الشهر هو الوحيد الذي يجمع العائلة في وقت واحد بخلاف غيره من الأشهر التي تقلّصت فيها فرصة هذا الاجتماع بحكم الدراسة والعمل ونواحٍ أخرى متعددة في حياة الأسرة الحديثة. لكن الزخم الكبير والإنتاج الكثيف لعرض المسلسلات بمختلف أنواعها في هذا الشهر، قد أضفى على بعض الأعمال صفة تجارية بحتة، لتدني قيمتها الفنية والفكرية وعدم ملامستها لحياة غالبية الناس القابعين في خانة البساطة والفقر، ما جعلها تؤثّر بشكلٍ سلبي على المجتمع، إذ أصبحت التسلية والهزلية السطحية الخالية من أي مضمون تفوق التوعية المطلوبة في زمن التسليع، بذريعة أن الإنسان الذي يقضي يومه في العمل لا بدّ له من مادة تلفزيونية تُخفّف عنه، بعد أن كانت تُطلعه على أشياء لا يعرفها وتسلّط الضوء على ما هو مجهول بالنسبة له، ما يسهم في التعليم والثقيف. وبعد أن كانت المسلسلات السورية بما تقدمه من قصص اجتماعية هادفة على مستوى التوعية ونشر القيم الأخلاقية والتحذير ممّا هو سلبي على مستوى الحياة بصورة عامة، أصبحت اليوم في غالبيتها رهينة رغبة ومشيئة الإنتاج والتمويل الذي يمتلكه أشخاص وهيئات بعيدون كل البعد عن مفاهيم الفنون وغاياتها ومقاصدها وأهدافها، فسيطرت على أعمالها الجريمة والعنف والدعارة من جهة، ومن جهة أخرى تمّ إقصاء غالبية المجتمع بكل ما تُعانيه من فقر وبطالة وتحكّم الأباطرة الجُدُد، وبقي التركيز في غالب الأحيان فقط على حياة شريحة ضئيلة تعيش رغد الحياة وترفها بشكل أوجع الغالبية التي باتت طيّ النسيان في أجندة المنتجين وكاتبي السيناريوهات ومُخرجيها الخاضعين بشكل أو بآخر لرغبات المنتج ومشيئته.  

لقد تعالت الأصوات التي تُنادي بالارتقاء بالأعمال الفنية الدرامية التي تدخل البيوت بلا استئذان، ما يفرض عليها شروطاً لا بدّ أن تلتزم بها، ولا تتنازل عنها مهما كان طغيان رأس المال وأخلاقياته ومراميه، لأن هذه الدراما بشكل أو بآخر مشاركة إلى حدٍّ كبير في صياغة الوعي المجتمعي بتصرف يتطلب الحكمة والإيثار.

العدد 912 - 20/5/2020