القانون مرآة للفرد والدولة

إيمان أحمد ونوس:

لا شكّ أن العلاقة بين الإنسان والقانون علاقة تبادلية على اعتبار أن الإنسان ذاته من أسّس لتلك القوانين وطوّرها لتتناسب مع تطور حياته ومعارفه وعلومه. كما يُعتبر القانون حجر أساس في نشوء الدول والمجتمعات وتنظيم العلاقة ما بين الفرد والمجتمع والدولة من خلال دستور عام يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات.

وهنا نجد أن ارتقاء الدول والمجتمعات وتحضّرها محكوم بتطور قوانينها ورقيّها من جهة، وبآلية الامتثال لتلك القوانين سواء من الفرد أو الحكومة من جهة أخرى. وأيضاً محكوم بتطور وعي المُشرّعين الذين يسنّون تلك القوانين ومدى تلاؤمها مع واقع الدولة والمجتمع وإمكانية تنفيذها والتعامل وفقها بالشكل الأمثل.

حين نمعن النظر بواقع المجتمعات والدول المتخلّفة نجد أنها تقوم على قوانين متخلّفة أحياناً، وأحياناً أخرى تسود فيها قوانين تمييزية بين الأفراد ومختلف شرائح المجتمع، ذلك أن المعنيين بهذا الجانب، مُشرّعين وحكومات، لا يتعاملون مع واقع مجتمعاتهم من منظور العدالة الاجتماعية، بل يسنّون قوانين توافق رؤاهم في السلطة والجاه والتحكّم بمصير الأفراد، كأن يفرضوا مثلاً قانون طوارئ بذريعة حالة ما، لكنه يطول لأجل غير معلوم، ما دام يخدم مصالحهم وغاياتهم دون النظر إلى ضرورة احترام حقوق الإنسان كافّة، وهذا باعتقادي أحد أهم أسباب خرق المواطن للقوانين أو عدم احترامه لها، إضافة إلى تخلّف وعيه سواء بحقوقه أو واجباته، ومن ثَمّ عدم مراعاته لمختلف القوانين حتى تلك التي تصبُّ في مصلحته.

بالنسبة لنا اليوم في سورية، لا شكّ أن العديد من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة وباء (كورونا) كانت في غالبيتها تصبُّ في مصلحة المواطن والمجتمع والدولة على حدّ سواء، ذلك أنها جاءت لحماية الناس ما أمكن من الوقوع في براثن هذا الوباء، وللتخفيف من أعباء الدولة في مواجهة الوضع الراهن. ولا شكّ أيضاً في أن العديد من الناس لم يعوا جيداً ضرورة تطبيق هذه الإجراءات والامتثال لها حماية لهم وللدولة، وللتقليل ما أمكن من تبعات هذا الوضع العالمي. لكن بالمقابل هناك أيضاً غالبية منهم امتثلوا لتك الإجراءات رغم قسوتها عليهم في بعض أوجهها لجهة تأمين مستلزمات معيشتهم القائمة على قوة عملهم اليومي في ظلّ غلاء الأسعار الذي لم يرحمهم، فقط لأنهم يعون خطورة الموقف ويحترمون القوانين التي تحميهم وتحمي حقوقهم مهما كانت مواقفهم السابقة أو الحالية من طرائق تعامل الحكومة معهم في جوانب أخرى تتعلّق بمعيشتهم أو المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات.

إن طريقة تعاطي الناس مع تلك الإجراءات وامتثالهم القسري أو الطوعي لها، إضافة إلى فرض تطبيق هذه القوانين والإجراءات من قبل الحكومة على الجميع بلا استثناءات يقودنا إلى القول إن هذه المساواة لا بدّ أن تؤدي لاحقاً إلى احترام تلك القوانين والامتثال لها طواعية وبلا مخالفات ما دامت بلا استثناءات حكومية علنية أو مُستترة، ولنا في فرض حزام الأمان للسائقين والركّاب سابقاً خير مثال، فقد رأى البعض في هذا القانون حينذاك محاولة من الحكومة لتقييد حرية الناس، لكن عندما أصرّت الحكومة على تطبيقه ومعاقبة مخالفيه، وحين أدرك الناس أهمية وضع حزام الأمان بالنسبة لهم، أصبح هذا القانون عادة لدى الغالبية ينفّذونها تلقائياً.

بالمقابل، ولكي يكون تطبيق الإجراءات الحكومية المُتّخذة حالياً مقبولاً من الناس، كان على تلك الحكومة أن تقرأ الواقع المعيشي لهم وترى الصعوبات التي عاشوها سابقاً لأجل تأمين رغيف الخبز وباقي المستلزمات من حيث الازدحام أو الغلاء أو عدم توافر كل تلك المستلزمات معاً، فتعمل على تدارك هذا الوضع الذي ما زال سارياً في العديد من المناطق لاسيما فيما يتعلّق بالمواد المُقنّنة أو الخبز وسواهم. وكذلك فيما يخص أصحاب المهن والعاملين في ورشات يومية كان قرار الإغلاق والحجر المنزلي وبالاً عليهم لأنه وضعهم في مآزق متعددة لجهة دفع إيجار البيت ومكان العمل معاً إضافة إلى تأمين الاحتياجات الضرورية التي تُحلّق أسعارها يوماً بعد آخر من قبل سماسرة وتُجّار لا يحترمون إنسانية البشر بقدر ما يسعون لتكديس أرباحهم على حساب جوع الملايين وأوجاعها، ولأن أولئك التُجّار والسماسرة هم الفئة الأكثر خرقاً لقوانين الحكومة والإنسانية معاً، ولا تتّخذ الحكومة بحقهم إجراءات ومخالفات تتناسب وإجرامهم هذا، ما يجعل الناس يشعرون بالظلم وعدم المساواة من قبل الحكومة، وبالتالي يؤدي ببعضهم إلى خرق القوانين من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية، وهذا يُحتّم على الحكومة ضرورة فرض قوانين عادلة تتناسب وواقع الجميع كي تضمن تطبيقها واحترامها من قبل الجميع، فنغدو مع مرور الزمن مجتمعات متطورة تحترم القانون وتعمل على تفعيل سيادته.          

العدد 912 - 20/5/2020