جرة غاز وملعقة بات حلمي

وعد حسون نصر:

 لم يعد الفستان الأبيض فقط حلمي كفتاة!

ولم تعد قهوتي معك وأغنية فيروز ونظرات نتبادلها تحت سقف واحد حلمي كرجل!

فقد قتلت الحرب بساطة الحب والكوخ والدفء، ولوّنت ثوبك الأبيض بلون الدم والحزن، وبات عريسك يشرد في السماء محتار الأمنيات وبماذا يناجي الله؟ هل وظيفة أم ورقة يانصيب رابحة، أم سفر، أم تخرّج، كل هذه الأمنيات وضعت الزواج في آخر الطلبات والأماني، فالغلاء الفاحش والإيجارات المرتفعة للبيوت وتكاليف الزواج وارتفاع الذهب وحالة البطالة الشديدة لعبت دوراً كبيراً في إحجام الشباب عن الزواج، وإن كان الشاب عاملاً فإنّ تدني المستوى المادي يكبح طموحاته وآماله في نيل فرصة زواج، قد يعجز عن دفع متطلباته المرهقة ومهره العالي وحفله الفخم. هنا لابدّ أن يعزف الشباب عن الزواج تاركاً الحب مركوناً جانباً، فهناك أشياء أهم من حبه المنشود، أيضاً فقدان حسّه بالمسؤولية ممّا يجعله يفقد الثقة بنفسه وقدرته على خوض تجربة الزواج، وهناك فئة من الإناث لا تفضّل الارتباط أثناء الدراسة لتتفرّغ بشكل أكبر للدراسة.

ولا ننسى كم أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في منح الشباب فساداً وإباحية ظنّوا أنها سوف تغنيهم عن فكرة الزواج الحقيقي والارتباط، والخوف عند كثيرين من نجاح فكرة الزواج وخاصةً بعد أن شهد مجتمعنا في الآونة الأخيرة كثيراً من حالات الطلاق، كذلك المرور بصدمات عاطفية عند الطرفين، أيضاً الرغبة عند البعض بعدم الالتزام والتقيد والارتباط بأسرة وأولاد، ولم تتوقف الضغوط عند الغلاء والعمل والدراسة، فهناك ضغوط أكبر بكثير كالضغوط النفسية للشاب والفتاة وخاصةً في سن الزواج، إذ نرى أنه يؤثّر عند الشباب على الصحة الجسدية، وذلك لغياب الدعم العاطفي والرعاية الصحية. ومن جهة أخرى يؤدي إلى الانحلال الأخلاقي بحيث يندفع بعض الرجال إلى طرق غير مشروعة لتفريغ الطاقات المكبوتة لديهم، طبعاً لا يمكن التعميم، لكن نسبة كبيرة من الرجال قد تلجأ لطرق غير مشروعة لتخفيف الضغط الجنسي لديهم وهذا ما يترتّب عليه أمراض قد تكون قاتلة.

كذلك عند الفتاة قد يؤدي إلى انعزال الفتاة غير المتزوجة، ممّا يؤدي بها إلى ضعف العلاقات الأسرية واستبدالها في الخارج. أيضاً تلجأ بعض الفتيات إلى طرق غير شرعية أحياناً في محاولة الحصول على الزواج، ولا ننسى النظرة السخيفة بشكل سيئ للفتاة غير المتزوجة من قبل غالبية المجتمع ممّا يؤثّر سلباً على نفسيتها.

إن إلغاء فكرة الزواج نتيجة الظروف الراهنة والغلاء ينجم عنه إلغاء وجود الأسرة، وبالتالي العيش بصورة فردية، إذ لا أطفال ولا زوج أو زوجة، وهنا ستغيب الأسرة الطبيعية في المجتمع، ما يؤدي إلى ظاهرة الأمهات العازبات وظاهرة الأطفال غير الشرعيين التي انتشرت في الفترة الأخيرة بسبب الحرب، إضافة إلى انتشار الزواج السري الذي يلجأ إليه كثير من الشبان والفتيات تحت مسمّى (كتاب برّاني) مع الحفاظ على السكن لكلا الطرفين ضمن أسرته، وهذا الزواج يترتّب عليه إلغاء فكرة الأطفال وعدم ضمان حقوق الفتاة، وبالتالي لابدّ أن نضع نصب أعيننا أسرة وشباباً من الجنسين أن الزواج ارتباط مقدّس قوامه الحب والتكامل والتعاون على بقاء هذا الصرح الذي هو خلية أساسية في مجتمع سليم، لنا فيه حقوق وعلينا واجبات، والزواج حق شرعي لنا جميعاً، لأنه يؤمّن لنا الاحترام والود ويضمن حقوقنا في الإنجاب والذرية الشرعية، لذلك علينا النظر بجدية إلى معاناة الشباب وحلمهم في تكوين أسرة، فلا ضرر من خلق التعاون بين الطرفين الذكور والإناث والتخلّي عن الكماليات، فلا مشكلة إن اقتصر حفل الزفاف على الأهل وإن كان بدلاً من الفرن غازٌ صغير، وبدلاً من الذهب والماس محبسٌ من فضة مع ضمان حق الفتاة في القانون. فإذا كنّا نريد أن نحيا حياة طبيعية ونمارس طقوس حبنا وزواجنا علينا أن ندرك أن الحياة تبنى (لبنة لبنة) وصعود السلم (درجة درجة) لذلك نخلق التعاون بيننا وننشئ أسرة قوامها الحب والتفاهم، لنحقق طموحنا بعيداً عن الضغط النفسي بسبب العزوف عن الزواج.

العدد 904 - 25/3/2020