باسم عبدو.. مقاربة في الذكرى الرابعة على غيابه

غياث رمزي الجرف:

الأديب، الكاتب، الإعلامي، السياسي الملتزم والإنسان الذي يتدفّقُ نهراً عذباً من الحيوية والتعاطف والمشاعر الوجدانية الدافئة والحانية: باسم عبدو (أبو شفيع)، لم يكن في أي وقت بلا قضية وبلا مبدأ، انحاز إلى شعبه ووطنه، وتمسّك بالثقافة الوطنية التنويرية، بثقافة الرسالة. ووقف بحزم وشجاعة وقناعة ضد الاستغلال والقهر الاجتماعي، والتعصب والتطرف والإرهاب، وضد المذهبية والطائفية والفئوية في مختلف الميادين، وعلى جميع المستويات، ناهض تلك المخلوقات القاتلة، الدموية والمتوحشة، وناهض حتى لحظة رحيله (صباح الأحد 29/11/2015) الثقافة الوهابية التكفيرية الخارجة من الكهوف والظلمات والمذابح، ومن فقه الحقد والكراهية.

في الذكرى الرابعة لغيابه المادي الوجيع، أتقدّم بهذه المقاربة.

نشرت جريدة (الأسبوع الأدبي) التي تصدر عن اتحاد الكتّاب العرب في سورية، في عددها (1420 ص2) مقالاً للكاتب باسم عبدو تحت عنوان: الأدب الساخر إنجاز متقدّم لثقافة الحوار، بيّن فيه الكاتب أنّ الأدب الساخر قديم، وقد ارتقى السلم الإبداعي رويداً، رويداً، في أحلك ظروف الاستبداد والظلم والاستغلال والتفاوت الطبقي، وأنّ هذا الأدب قد تطور وتناول، إلى جانب الفكاهة والنكتة والنادرة والطرفة والضحك، مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، عن طريق الحوار الشعري أو السردي أو الحكاية.

وذهب الأديب باسم عبدو_ وهنا بيت القصيد_ إلى أنّ ما يجري بين طرفين/ شخصين من حوار ومجادلة، من أخذ وردّ، من إطلاق هذا الرأي أو ذاك والجواب عليه، والتفنّن في الوصف والتوصيف، شكّل أرضية مناسبة لاحترام الآراء المتباينة، كما شكّل تربة صالحة لتنمية ثقافة الحوار الساخر، (هكذا رأى). ثم أورد الكاتب عبدو أمثلة من الشعر القديم (بشار بن برد ــ أبو دُلامة)، ومن الشعر المهجري (جورج صيدح ــ عبد اللطيف الخشن)، ومن الشعر الحديث (الشاعر اللبناني أسعد رستم).

بداية نرى أنّ عنوان المقالة (الأدب الساخر إنجاز متقدّم لثقافة الحوار) فيه طرافة ودلالة، طرافته تكمن في أنّه عنوان جديد مُسْتَحْدَثْ لم نقع على مثله في هذا الباب؛ أي نَسيج وَحْده، أي لا ثاني له، فالأديب عبدو قد أطْرَفَ في عنوان مقالته. أما دلالته فلعلها (أظن، أزعم) تتجسّد في محاولة الكاتب ربط العنوان بالواقع السوري الراهن، ورغبته العميقة في الحوار، ولا سيما في هذه الأزمة/ المحنة التي تعصف بنا عسكرياً، أمنياً، سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً ومعيشياً، ولفت الأنظار من تحت الطاولة، إن صح التعبير، إلى تعثر الحوار بين السوريين، بل غياب ثقافة الحوار خاصة على الصعيد السياسي.

هكذا لم يبق لدى الكاتب سوى القول: إنّ ثقافة الحوار تتجلى في الأدب الساخر الذي هو إنجاز متقدّم لهذه الثقافة.

ترى، هل ذهبتُ بعيداً وتماديتُ في الظنون، وأنّ كل ما في الأمر أنّ الأديب باسم عبدو لم يكن جاداً، وجاء بهذا العنوان على سبيل الدعابة والممازحة والمفارقة والمُلْحَة؟

على كل حال يبقى السؤال قائماً هاهنا:

هل حقاً (الأدب الساخر إنجاز متقدّم لثقافة الحوار)؟ ألا ينطلق هذا الرأي من وجهة نظر أحادية الجانب تحتاج إلى إعادة النظر والتأمل والاستقراء والجلاء؟

صحيح أننا قد نجد بين شاعرين أو كاتبين أو مفكرين، أو بين هذا الطرف وذاك (حواراً) دون أن يؤدي ذلك إلى تعكير مزاجهما، ودون أن يصلا إلى حدّ التنافر والقطيعة والتناطح المدمّى، ولكن هذه الحالات خاصة، لها ظروفها وتقديراتها عند أهل الحل والربط، وهي استثناء من القاعدة، فالمعطيات والقاعدة العامة تقولان بلا شبهة: في منطقتنا العربية لا أحد يحاور أحداً على جميع الصعد، فالمستبدون والمتسلّطون والمتشددون والمتطرفون والمتعصبون والظلاميون لا يحاورون، وفي أحسن الأحوال حوارهم لا يتجاوز أنفسهم، ولا يتعدّى حوار الطرشان؟

إنّ الواقع ومعطياته يشيران إلى أنّ الفنّ الساخر يوصل في بعض الأحايين، إن لم نقل في كل الأحايين، إلى الانتقام والطرد والنفي والسجن وحتى القتل، كما حصل، على سبيل المثال، مع أبي الطيب المتنبي عندما هجا وسخر من ضَبَّة بن يزيد العيني، ابن أخت فاتك الأسدي (هناك جانب سياسي في مقتل المتنبي وهو حقد البويهيين/ الأعاجم عليه، فالمتنبي رفض رفضاً قاطعاً سيطرة الأعاجم على العرب وهيمنتهم)، وكما حصل مع الشاعر أحمد فؤاد نجم، ولا سيما في عهد الرئيس المؤمن حتى الخيانة محمد أنور السادات. ومظفر النواب، والمغتال ناجي العلي، وكما جرى مع شارلي شابلن على أيدي الرأسماليين الأمريكيين والمكارثيين والنازيين.

وإلى جانب ما تقدم كنتُ أتمنى على الأديب باسم عبدو أن يأتي بشواهد شعرية أو نثرية أو معاً تدعم ما ذهب إليه من أدبنا المعاصر والراهن (محمد الماغوط، حسيب كيالي، أحمد فؤاد نجم…) فالمقالة خلت من ذلك. كما كنتُ أتمنى عليه أن يأتي بأمثلة تتوافق مع عنوان مقالته ومضمونها، فنحن لا نقع في مقالته على شعر أو نثر (يمارس النقد السياسي الساخر، ويتناول القضايا الاجتماعية الحساسة التي تعبّر عن واقع مجتمعنا، ويعرض المطالب الصغيرة أو الكبيرة التي تجسد رغبات الفرد والجماعة والواقع المعيش للناس…).

هذه هي مقاربتي الأولية، وهي مقاربة قابلة للاستزادة والنماء والتأويل، كما هي قابلة للنقاش والأخذ والردّ والمُحاوَرة والمُجادَلة.

وبعد، عندما نفقدُ من نحبّهُ يصير الزمان والمكان مُوحِشين، ونحسّ بالأسى والشجن والغربة، مدى العمر.

سلامي، ما بقيتُ، على أبي شفيع/ باسم عبدو، الذي على مدار الأيام ألتفتُ إليه بقلبي وألقاه.

giathaljrf30@gmail.com

العدد 890 - 11/12/2019