فضاءات ضيقة | مراوغة اللغة وقصورها الدلالي

د. عاطف البطرس:

لا يوجد لغة في العالم قادرة على نقل خلجات النفوس ووجيف القلوب كما هي في الأعماق، جل ما تستطيع اللغة نقله هو سطوح المشاعر والأحاسيس، أما النار المتوقدة فتبقى متأججة في الداخل، كما يقول ماركيز.

الشعر لغة في اللغة، وعلاقات دلالية متجددة تقوم على الانحراف، وكل مفردة معبأة بمخزون قابل للتحول والتبدل وفق السياق، بعد أن يضفي عليها الشاعر من وهج ذاته فيضاً دلالياً مضافاً.

حتى المبدع نفسه عندما يعود إلى نصوصه الشعرية يكتشف إيحاءات مثيرة نابعة من مفردات.. تشع، توحي، تعد، تحيل، لكنها لا تقول بشكل مباشر ولا تنقل ما يعتمل في نفسه، فهما حاول الشعراء أن يجدوا معادلاً موضوعياً دلالياً لحالتهم الشعورية فغالباً ما تخذلهم اللغة لأنها في الأصل، مخادعة، مراوغة، فيضها الدلالي يتجاوز قدرة مفرداتها على الإيحاء والتعبير.

فإذا كانت العلاقة بين الشاعر ولغته (مفرداته، دوالّه) بهذا الشكل، فكيف يمكن أن تكون بعد أن تصدر عنه وتدخل حيز التلقي والتداول وتمارس تأثيرها العاطفي والوجداني؟

مما لا شك فيه أن الدوالّ لا تؤثر بالمتلقّين بالسوية نفسها والمنسوب ذاته، وذلك وفقاً لظروفهم والشروط المعرفية والحالات النفسية لكل شخص ممن يتلقون الإنتاج الشعري أو الأدبي.

الحالة النفسية والمكانة المعرفية تترك تأثيرها على فعل التلقي، وعلى اكتشاف الدلالة المختزنة في العلاقات اللغوية التي لا يمكن أن تكون متعاليات لفظية، وإنما دوال محددة المعاني، واضحة، لا لبس فيها، لكن هذا التحديد لا يصادر قدرتها على تعدد الدلالة، بتعدد القراء.

تعدد الدلالة شيء، ولا نهائيتها شيء آخر، اللانهائية تدخلنا في التيه، وتقودنا في النهاية إلى غياب الدلالة وانعدامها، أما تعدد الدلالة الذي ينتج عن تفاعل العلاقة بين الدوال نفسها ومن يتلقاها، فهو يغني العملية الإبداعية ويؤدي إلى تفاعل المفردة- أو الذات الكاتبة مع المتلقي، لنصل في النهاية إلى ما نطلق عليه (حوارية الدلالات) وهي محصلة تفاعل خلاق بين اللغة والذات الكاتبة، وما يمكن أن يستخلصه أو يستنتجه المتلقي، أما إذا أضفنا الصورة والتركيب والانفعال والأفكار والإيقاع والعاطفة والتوتر والفجوة الإبداعية وهي من ركائز العملية الشعرية، فإننا سنحصل على تضايُفات دلالية تفاعلية غاية في الدقة والجمال، مما يترك تأثيره في ذائقة التلقي التي يجب أن توازي أو تقارب سوية ما تتلقاه ليتم فعل الاستجابة وتتحقق الفائدة والمتعة الجمالية.

الشعر صنعة فنية وقيمة جمالية تتجاوز الراهن وتتخطى عتبات الواقع لتصل إلى المستقبل، ولا يمكن للشعر أن يحقق ذاته ويصل إلى هدفه إلى إذا وفر لنفسه شرط التجاوز والتخطي لواقعه ولمرجعيته، وكذلك لبنيته، فهو دائم الحركة والتطور والتجدد، وإذا توقف عن حراكه حكم على نفسه بالتخلف عن مواكبة الحياة بكل ما تقدمه من مثل أخلاقية وقيم جمالية وإنجازات معرفية.

العدد 886 - 13/11/2019