ويسألونك عن المثقف.. فقل!

عباس حيروقة:

لن نتحدث في هذه الفسحة الضيقة المتاحة لنا هذا اليوم في مسائل الشعر والشعرية ولا في النقد وأدواته ولا حول الملتقيات الأدبية أو آليات النشر والمشاركة في منابرنا الثقافية ولا..ولا..الخ.

ولكن حديثنا اليوم في مسألة جد هامة ومقلقة وتشغل حيزاً ما في نفوس الكتاب والأدباء وكل معني في الشأن الإبداعي الفني، مسألة تتعلق بالحيف والظلم الذي يقع ويطول كل مبدع ومشارك في الحقل الثقافي والإعلامي، وهي مسألة يمكننا أن نعتبرها في رعاية القيمين والمعنيين في وزارتي الثقافة والإعلام.

مسألة كثيراً ما نخجل من ذكرها والكتابة عنها هنا وهناك، ولكن نتحدث عنها وبها فيما بيننا، بضيق وإحراج واستياء، ألا وهي طبيعة التعامل معنا (مادياً) من قبل المسؤول المالي (المحاسب) أو أمناء الصندوق عقب كل مشاركة لنا في نشاط ثقافي أو إعلامي تلفزيوني أو إذاعي.

بداية نتحدث عن قيمة المكافأة المالية البخسة والمخجلة التي يتم صرفها لقاء مشاركة لنا في أمسية شعرية في المراكز الثقافية، والتي لم تعد تكفي أجور نقل ضمن المدينة الواحدة، إذ كما هو متعارف عليه تكون المكافأة ألف ليرة سورية.

(1000 ل.س) ضمن المحافظة التي نقيم فيها، أما مشاركتنا الشعرية خارج المحافظة، فهذا عائد لفهم القائمين للقرارات ذات الصلة فمثلاً في طرطوس وريفها لا تتجاوز قيمتها للمشارك من حماة الألفي ليرة (2000ل. س) في حين أن من يشارك من أدباء طرطوس في محافظة حماة فيتم صرف مكافأة ما يقارب الأربعة آلاف ليرة (4000ل. س).

أما مثلاً في مراكز دمشق وحمص فتطلب منك إدارة المراكز مراجعتهم بعد أشهر وحين المراجعة يصرفون لك الـ(1000ل.س) فتقول لهم إنك من محافظة حماة مثلاً، كما حدث معي، حينئذٍ يطلبون منك إخراج قيد أو إيصالاً من شركة النقل التي أقلتك من مدينتك إلى دمشق باليوم والساعة. فتخرج ضاحكاً كأي مواطن يكنز ما يكنزه من ذهب وفضة.

هذه الـ (1000) التي لم يطرأ زيادة عليها منذ أكثر من عشرين عاماً تقريباً في حين طرأت أكثر من عشرين زيادة على قيمة الدواء والرداء والغطاء.

مبلغ مخجل يصرف لأديب أو محاضر لا يكفي سعر سندويشة فلافل وزجاجة عصير لطالب مرحلة تعليم أساسي، في حين يصرف الملايين لحفلة فنية تحييها فنانة هنا أو هناك.. ولا شك يتم صرفها قبل أن تنتهي من إحيائها لا كما يحدث معنا بعد أشهر؟!

وهذا ما حدث ويحدث أيضاً مع كل مشارك في برنامج تلفزيوني وإذاعي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، نسأل ونراجع ونسأل ونراجع غير مرة والنتيجة في أحسنها – هذا إذا جرى إدراج اسمك من قبل المعد في جدول صرف المكافأة – النتيجة لا تتجاوز (3000 ل. س).

للأسف ثمة برامج تشارك فيها ولساعة ومباشر على شاشتنا (محطة فضائية) وأيضاً إذاعية والنتيجة أن لا اسم لك!!

وأما الحديث عن مكافأة الاستكتاب في صحيفة محلية أو مركزية فلا يختلف ظلماً وحزناً لا بل أشد إيلاماً.

والسؤال الكبير والهام هنا:

هل نجد ما تحدثت به أو عنه آنفاً من تعامل بخس ومخجل حين يتعلق الأمر بمعرض أو مهرجان أو مؤتمر ما يتم من خلاله استضافة فنانين وفنانات من هنا وهناك.. ولست في صدد تعدادها؟؟!!

ويسألونك من عقود من الزمن عن مهام المثقف، وفي هذه المرحلة المرعبة من حرب هي في الأساس ثقافية يتم تهميش الثقافة والمثقف، إذ من البداهة هنا القول إنه لا نهضة وطنية دون الاهتمام والتركيز على الثقافة وإيلائها الحيز الأكبر من الدعم كما أن لا نهضة ثقافية دون الاهتمام والنهوض بالمثقف.

وكيف يمكن النهوض بالمثقف ضمن معطيات مريرة كالتي أتينا على ذكرها آنفاً؟!

لماذا كل هذا الاستهتار بالمثقف وعدم احترامه واحترام حقوقه أو القصدية في تحويله إلى متسول؟!

لماذا لا ترفع القيمة المادية له لقاء مشاركاته على المنابر الثقافية والإعلامية؟!

هل الأمر من الصعوبة هنا في الإيعاز لمن يلزم ليصار إلى صرف مكافأة نشاطه فوراً وبكل احترام دون تأجيل؟!

اتحاد الكتاب العرب رغم ضحالة ميزانيته مقارنة مع وزارتي الثقافة والإعلام رفع قيمة مكافأة المشاركة والنشر بشكل مقبول نسبيا وبشكل مباشر عقب تنفيذ النشاط.

وأيضاً وزارة الثقافة – الهيئة العامة للكتاب – مشكورة قامت برفع قيمة الاستكتاب والنشر بشكل مقبول نسبياً، ولكن ما ننتظره هو النظر وبشكل فوري في قيمة مكافأة المشاركة في فعاليات مراكزها الثقافية.

أما من وزارة الإعلام فننتظر الكثير الكثير.

أسئلة كبيرة وكثيرة يمكن أن تفيض بها آهاتنا وزفراتنا في زمن بات ملحاً علينا جميعا أن نكون أكثر جرأة على طرحها علّنا ندرأ نزفاً جديداً قد يكون أكبر وأكثر إيلاماً من قدرتنا على تحمله.

 

العدد 895 - 22/1/2020