أصبحت أشبه أمي!

غزل حسين المصطفى:

أصبحت أشبه أمي، هي الجملة التي رافقتني منذ مدّة قصيرة لا أذكر كيف ولا متى، كلُّ الحكاية أنّني صرت أقف أمام المرآة أُلاحق تفاصيل وجه أمي في وجهي، في ردّة فعلي وانفعالاتي، وحتّى تحركاتي ضمن المطبخ تُضحك أمي وتقول:( كأنّني أنا من فعل ذلك).

سأعترف اليوم وأنا أعُدُّ الأيام تنازلياً وصولاً إلى يوم ميلادي نهاية الشّهر.

– في بداية الحياة نندفع بلا تفكير لكلِّ شيء، لمجرّد أنّنا نودُّ التجريب، فيما بعد قد نُفكّر بالعاقبة أو حتى لا نفكر بذلك إلاّ بعد فوات الأوان، لاحقاً نتحمّل مسؤولية الفعل ونُبرر دون اعتراف أقوال الأهل وتوجيهاتهم، لكن من حالتي اليوم أعترف أنّنا حين ننضج قد نتحوّل إلى نسخة مُصغّرة عن ذوينا، حينئذٍ فقط نكون قد اعترفنا بشكل فعلي وعلني بأن عواطفهم كانت أصدق ممّا تصورنا، فذلك الحذاء الأبيض لم يكن سينفع الشتاء الموحل، وتلك المأكولات المُصنّعة والمصبوغة حقاً مرضنا يوم أكلناها، ولكن عنادنا كان أكبر من أن نسمع، وخوفهم من كسر خاطرنا كان أعظم من أن يرفضوا ذلك، والكرّة نفسها ستُعاد معنا و أولادنا.

_أصبحت أشبه أمي، هو الشي الأجمل، والحالة التي تُطرب فؤادي، فقد كانت نبراسي وصديقتي المُقرّبة جداً، تحفظني غيباً، وأستطيع قراءتها عن بعد.

_أصبحت أشبه أمي، واللافت في الموضوع أنّني أستوقف أمي في عدّة مواقف وأشرح لها تفاصيل تشابهها مع جدّتي في القول والفعل.

معادلة علميّة بسيطة تختزل ما قلته من سلسلة تشابه وراثية تُفضي إلى أنّي كذلك أحمل جدتي في جيناتي بشكل فعلي، وليس كما تحكم علينا مُعادلة النسب والدم.

_أصبحت أشبه أمي أكثر، وأنا من قلت يوماً إنّني النّسخة الأنثويّة من أبي حين أكون سيّدة الموقف في الحياة، وحين أُطلق أحكامي في تذوّق أطباق الطعام التي تطهوها أمي.

بعد هذا الشّرح ونقاط الشّبه، يطوف السؤال في رأسي: من أنا؟ هل أنا مجرّد كائن مُستنسخ عن أفراد عائلته، يختلف عنهم برقمٍ وطني في السجلات المدنية واسم وبصمة فقط !؟

صحيح أن اشّكل عينيّ لوزيّ ولونهما بنّيّ كأمي، لكنّني أعشق بهما شكل القمر وبحر السماء ليلاً والنجوم تطوف به هائمة، أتوق لكل مشهد حقيقي أغذي به عاطفتي وأفكاري وقد أكتب ذلك يوماً، بينما أمي ليست كذلك.

أستمتع بلحنٍ عتيق وصوت أم كلثوم يقول (أنت عمري) ويمامة من منزل القباني تُرتّل قصيدة غزلية وهذا يجمعني بأبي، لكنه لم يسافر على متن علامة موسيقية لياني، وما قرأت يوماً مشاعره في مقطوعة لبيتهوفن، أشبههم لكن لست ظلّهم ولا انعكاسهم.

قد لا يكون الشبه الكُلي مشكلة أو نقطة خلاف، ولكن الشيء المهمّ بالنسبة لي هو أن نُعدّ بصمتنا الخاصّة.

بعيداً عن القيود الرسمية للدولة السورية، من هي غزل؟

هي فتاة تُغريها رائحة المطر وتتعلّق بحبال من السماء، أصبحت شابّة ولكن ما زالت أرجوحة (هايدي) المُعلقة بالغيم، هي حلمها الأبدي حتّى تفرد شعرها وتغازله النسائم، أمّا عن (ساندي بيل وأوليفر) فلا تزال تفاصيلهم عالقة في ذاكرتها.

غزل ترى أن الابتسامة فعلٌ إنساني نابعٌ عن روح نقيّة، والحب ليس بجريمة ولا هو تهمة. إنه صلاة وبخور يفوح من بين الضلوع حتى إن المحيط كلّه قد يُغيّر خارطته على خطا مشاعر نبيلة لا تقتصر على هو وهي، وإنما تتضمّن كل الأفراد.

الموسيقا ليست كمالية، أو لا محلّ لها من الإعراب، وإنما هي التكوين الأهم لتفاصيل جملة الحياة، عليها يُقام الوجود وتُمدُّ طاولة الصباح.

لي تفاصيل معيّنة تُميّزني، خلقت طقوساً خاصّة أعيش فيها ملكة مع ذاتي، فيوم الثلاثاء مثلاً يومي المُميّز، إذ ألتقي عرّابي وتبوح له اللمعة في عينيّ عن كل أسراري، ويقرؤني كتلك الصحف المُكدّسة على مكتبه. أمّا اليوم فقد تغيّر التاريخ وصار يوم الاثنين نقطة البداية، حين أكون في مكانٍ مختلف عن كل شيء، أحتفل بأصغر إنجازاتي هناك مع رائحة الحبر في الطابعات ودخان السجائر العالق في الجدران.

سُئِلتُ يوماً: (تطوّع وأعمال أشبه بالإنسانية، قضايا مجتمعية وحروف تُصَفُّ على أوراق الجرائد، كيف سآكل الخبز من كل هذا؟).

أنا اليوم في كنف أبي، أشبع الخبز وغيره، تُتاج لي الفرصة حتّى أُجرّب أشياء لن استطيع فعلها حين سأكون ألحق بلقمة عيشي، ففي ذلك اليوم الذي ستغرق جيوبي بثمن الخبز الذهبي لن تستطيع روحي أن تطوف كالفراشة بخفّة بين الحقول والتجارب الصغيرة التي ستحوّل أجنحتي الملوّنة لأجنحةِ عنقاءَ تُعاود الولادة مع كل منعطف.

_ ولأن تشرين في كل عام له بدعةٌ جديدة، استطاع هذا العام أن يقطف من روحي ثمار أحاديث طويلة، ولكنه دائماً ما يُعيد روحي إلى رحم الحياة تجمع شتاتها كي تُجدّد عهدها لعمري، سنة جديدة تفتح دفاترها حتّى تضمّ تفاصيلي ونمضي في رحلة جديدة، ومن يدري أين سأكون العام القادم، وبماذا سأعترف… الآن؟

تلك هي هويتي.

 

العدد 886 - 13/11/2019