شو عم يصير؟! | ليتنا!

مادلين جليس:

يبدو أن الكآبة التي كان من المعتاد أن يحملها فصل الخريف، ومشاعر الفرقة والحزن والعذاب وما إلى ذلك من العواطف الجياشة التي تجتاح المرء خلال هذا الفصل، لم تجد لنفسها مكاناً هذا العام، لسببين بسيطين، أولاً: لأن فصل الخريف لم يأتِ بالشكل المعتاد، أمطاراً ورياحاً وتغيّراً في الطّقس، وانخفاضاً في درجات الحرارة ولو بشكلٍ طفيف، وثانياً بسبب المظاهرات والأحداث اللبنانية التي استطاعت خلال أيام قليلة لفت انتباه الشارع الفيسبوكي العربي عموماً والسّوري خصوصاً، خاصة أنّ الشعب السوري خبِرَ المظاهرات، والمطالب التي تبدأ ولا تنتهي، ولست أقصد هنا التقليل مما يجري في لبنان الشقيق، إنّما أقصد على وجه التحديد نسيان بعض السوريين لذلك، والتفاتهم إلى السخرية والاستهزاء بالطريقة التي يتظاهر بها اللبنانيون، كل اللبنانيين، دون تمييز.

ولعلّنا لو فكرنا قليلاً لعرفنا أنّ ما يقوم به هؤلاء المتظاهرون اللبنانيون هو عين العقل والصواب، آلاف ومئات الآلاف بل الملايين منهم خرجوا إلى الساحات مطالبين بمستوى معيشة أفضل مما هم فيه، مطالبين بحياة كريمة يرغبها كل إنسان في هذه الكرة الأرضية، دون أن نسمع عن إصابة أو قتلى خلال المظاهرات، ودون أن نسمع أن متظاهراً لبنانياً صوّب سلاحه باتجاه جندي لبناني، دون أن نعرف أن المرافق العامة كانت المتضرّر الأكبر من هذه المظاهرات.

الغريب في الموضوع أن حالة الاستهزاء والسخرية والتنكيت لم تقتصر على السوريين فحسب، فإنك تستطيع من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أن تعرف آراء مماثلة عند كل من الشارعين المصري والأردني، خاصة عند حديثهم عن لجوء اللبنانيين، عفواً اللبنانيات إليهم.

ليتنا كنّا مثلهم، ليتنا سوريين ومصريين تظاهرنا تظاهرات مضحكة ومسلية، ولم يلجأ أحد إلى القتل والعنف والتخريب وترديد العبارات الطائفية.

ليت كلّ المظاهرات ضمّت أغنيات، ولعباً بكرة القدم، وقطعاً للطرقات لإقامة حلقات الدبكة، ولم تنقطع لإقامة حلقات القتل والذبح!

ليت كل السوريين والمصريين وحتّى التونسيين عادوا مساء من ساحات المظاهرات بابتسامات عريضة، دون إصابات ولا كدمات، وناموا بانتظار يوم آخر يخرجون فيه ليطالبوا ويهتفوا أنّهم كلّهم، كلهم يريدون حياة كريمة، كلّهم يريدون بلدهم موحّداً، آمناً ينعم بالنظام والمؤسسات، وحينئذٍ فلتضحك كل البلدان علينا، ولتنتشر الفيديوهات المسلية عنا، ولنحصل على مطالبنا وحقوقنا دون قطرة دم واحدة!

ليتنا!

العدد 886 - 13/11/2019