لنعد بناء الإنسان قبل إعادة الإعمار

إيناس ونوس:

طارت العصافير فزعةً من دوي الانفجارات

واختفت الشَّمس خلف ضبابة الدَّمار الرَّمادية

وبُحَّ صوت الموسيقى

حلَّ الخوف والقلق من الخفي القادم في أي لحظةٍ.

مضت السَّنوات الثَّماني وجلةً مُضطربةً، مكرِّسةً لغة الموت اليومي، حتى صار شبه طبيعي. لم نكن نريد الاعتياد عليه، لكنه أجبرنا، واتشحنا جميعنا بالسَّواد، السَّواد الذي غطَّى أرواحنا وأحلامنا وحياتنا قبل أن يُغطي أجسادنا.

صارت الشَّوارع مُعتمةً في أغلب أوقات النَّهار المُضيء، يطغى عليها اللون الأسود، فلم نعد نعرف معنىً لأي لونٍ آخر، بل باتت الألوان الأخرى تُثير في نفوسنا الدَّهشة، دهشة الغياب، وعدم التَّصديق بأن الحياة لا تزال تحتمل الأمل والفرح.

لم يبقَ بيتٌ، ولا شخصٌ، ولا مكانٌ لم تلمسه يدُ الموت السَّوداء، أو الفقد الرَّمادية، أو الوداع المؤبَّد. ولم تبق روحٌ إلاّ وذاقت طعم اليأس والأسى والمرار، فاتحدت مع الثِّياب بلونٍ واحدٍ وترقُّبٍ واحد بأن تفارقه ذات صباح، وأن تستعيد ألقها ونشاطها وبعضاً من طفولةٍ مشاغبةٍ.

طفولة؟! أوه كم نسينا ماهية هذه الكلمة!! وكم كبر أطفالنا!! حتى بتنا لا نرى من حولنا إلّا رجالاً ونساءً يائسين بائسين بأجسادٍ صغيرة، حتى وجوههم لم تعد تعرف معنى الضِّحكة النَّابعة من القلب، وملامحهم خشنةً قاسيةً نظراً لما رأوه منذ نعومة أظفارهم.

انتظرنا بلهفةٍ نهاية الحرب لننعم بدفء شمس الرَّبيع الدَّافئة الحنونة من جديد، ولنسمع زقزقة العصافير الصَّباحية بنغمةٍ ملؤها الأمل والتَّفاؤل، وأمّلْنا كثيراً بالأيدي التي ستمتدُّ نحونا لتنتشلنا من قاع الألم والياس والإحباط، متمثلةً بالحكومة أو بغيرها من المنظَّمات غير الحكومية لتعالج ما بنا من نكساتٍ وجراحٍ لا تكاد تندمل حتى تتهيَّج مُجدداً مع كل يومٍ بعد توقف القتل المباشر، ذلك أن الأوضاع العامة اقتصادياً، معيشياً، تربوياً، طبياً، وبكل المناحي، تتردَّى يوماً بعد يوم وتزداد سوءاً أكثر مما كانت عليه قبل الحرب الكارثية.

إلاّ أن من تقع عليهم مسؤولية العلاج غير مهتمين وغير مؤهلين إن وجدوا، وربَّما لا يُسمح لهم بالعمل وتطبيب الجراح النَّفسية. ما يؤدِّي للقضاء على كل استقرارٍ نفسيٍّ لا نزال محافظين عليه أو متشبثين به علَّه يسعفنا بالوقوف مراراً وتكراراً في مواجهة الألم اليومي.

في معظم الدُّول التي مرَّت بمثل ما مررنا به، كان أول ما تمَّ العمل عليه هو نشر مراكز تُعنى بالرِّعاية النفسية والاجتماعية والصِّحية يقوم عليها مختصون مؤهَّلون لمعالجة الآثار والأضرار النَّفسية النَّاجمة عن معايشة الموت والدَّمار، فإعادة ترميم الأرواح والنُّفوس أهم بكثير من إعادة ترميم الحجر، لأنها جزء من البنية التَّحتية المطلوبة لبناءٍ صحيحٍ وحقيقي للمجتمع ككل. ولذلك نرى معظم تلك الدُّول قد وصلت إلى ما وصلت إليه من التَّطور والحضارة والرُّقي، فالبناء الصحي والصَّحيح للإنسان يؤدِّي بالضَّرورة إلى بناءٍ حقيقي للمجتمع والدَّولة، أما إن غاب الإنسان من أولويات إعادة البناء، كما يحدث على أرضنا، فلن تكون النَّتائج بالشَّكل المطلوب.

العدد 886 - 13/11/2019