إدلب بعد إعلان تشكيل اللجنة الدستورية

صفوان داؤد:

منذ التدخل الروسي في الحرب السورية، سعت أنقرة، للحفاظ على دورها في المسألة السورية، إلى التوصل إلى ترتيبات دبلوماسية مع كل من روسيا والولايات المتحدة على السواء. تمكنت أنقرة من الحفاظ إلى حد بعيد على توازن صعب بين قوتَين تملكان مشاريع أقل ما يقال عنها إنها متعارضة، وإن كانت الحقائق الميدانية منذ نهاية 2018 توحي بأن تركيا قد تفضّل موسكو إذا اضطُرَّت إلى الاختيار بين الاثنتَين، ورغم الخلاف حول مستقبل سورية، لم تشكل سياسة روسيا في سورية حتى عام 2019 أي تهديد وجودي لتركيا كما شكلته الولايات المتحدة في دعمها القضية الكردية، بالنسبة لواشنطن ما تعمل عليه في الشمال السوري هي حالة نموذجية ناجحة لمكافحة (الإرهاب)! دون إرسالها الجنود الأمريكيين وتبديد الموارد المالية للجيش الأمريكي. بالمقابل نجحت موسكو بالمجمل في إدارة العلاقات مع أنقرة، عندما أعادت تفسير مفهوم وحدة الأراضي السورية كي تتناسب مع السياسة التركية، واعتبرت في أحد تصريحات الرئيس الروسي أن (بلاده تنظر إلى التوسيع التركي للمنطقة الآمنة في شمال شرق سورية بأنه يساهم فعلياً في حماية وحدة الأراضي السورية). مع ذلك استغل الكرملين ثغرة التنافر التركي _ الأمريكي حول المسألة الكردية، واستثمرها بشكل فاعل في قضية إدلب الخاضعة للتنظيمات الإرهابية، دون أن يخسر العلاقة مع أنقرة. ومع بدء تطبيق تنفيذ المنطقة الآمنة في الشمال السوري، فإن موسكو على موعد مع استثمار جديد في القضية السورية واحتمال موافقتها ودعمها عودة اللاجئين السوريين إلى هذه المنطقة كمقايضة لتركيا في حلّ قضية إدلب لصالح دخول الجيش السوري إلى هذه المحافظة دون قتال، وإلا التهديد بعدم موافقتها على هذه العودة ودفع اللاجئين إلى أوربا كورقة غير مباشرة موجهة لبروكسل من أجل الانخراط بعملية إعادة الإعمار في سورية. فقضية اللاجئين السوريين بدأت تثقل كاهل القادة الأتراك على صعيد القاعدة الشعبية، كذلك على الصعيد الأمني والاقتصادي، إذ سجل حوالي 3,5 ملايين لاجئ سوري في تركيا، ومليون لاجئ غيرهم من غير المسجلين.

ورغم إعلان روسيا هدنة من طرف واحد في 30 من شهر آب الماضي، إلا أن إدلب وغرب محافظة حلب سجلت اختراقات متكررة للهدنة وسقوط مئات القذائف الصاروخية، حتى نقطة المراقبة التركية في قرية (شير مغار) في الريف الغربي لمحافظة حماة لم تسلم منها. وبعد شهر تقريباً من انعقاد اجتماع قادة الدول الضامنة في أنقرة بين بوتين وروحاني وأردوغان، وهو الاجتماع الخامس بينهم خلال عامين لمناقشة المسألة السورية، جرى الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية كمسار سياسي لحل الأزمة السورية. ويفترض أن يشكل نجاح اللجنة الدستورية في مهامها نقطة انعطاف في معالجة الوضع شديد الحساسية حول إدلب، التي ستتوافق بالعموم مع تحقيق المطلب الروسي في إنهاء ملف وجود الإرهابيين فيها، وسيطرة الحكومة السورية عليها. فالتطورات الميدانية خلال صيف 2019 غيرت كثيراً في كيفية اتفاق سوشي، وتفاهمات أستانا، وستأخذ بعين الاعتبار الدور الروسي المباشر في إدلب خصوصاً والمسألة السورية عموماً، بمعزل عن أي تحرك منفرد من جانب أنقرة.

ويشكل بيان نُشِر عقب نهاية القمة بين رؤساء الدول الضامنة، الاتجاه العام للوضع في سورية حتى نهاية هذا العام، في ضرورة إنهاء وجود التنظيمات الإرهابية على كامل الأراضي السورية، وتحقيق الاستقرار في محافظة إدلب، واعتبار مسار أستانا هو المسار الصحيح للحل السياسي، وأشار الرئيس الروسي سابقاً إلى ضرورة تنفيذ أنقرة التزاماتها، الموقعة بموجب اتفاق سوتشي مع موسكو في 17 أيلول 2018، المتعلق بإخراج التنظيمات الارهابية من إدلب، فيما ركز أردوغان على مواصلة الجهود (لتجفيف مستنقع الإرهاب في شرق الفرات) على حد تعبيره. وبدا واضحاً أن الرؤساء الثلاثة لم يتوصلوا إلى اتفاق نهائي حول الأزمة السورية، لكن الجميع يرفضون من حيث المبدأ حضوراً كردياً سياسياً منظماً بعيداً عن السلطة في دمشق، دون إنكار تقديم بعض حقوقهم الاساسية.

العدد 882 - 16/10/2019