هل اللاعنف ثقافة عصيّة على فكرنا!؟

إيمان أحمد ونوس:

قد تكون قسوة العيش بداية الحضور الإنساني على الأرض سبباً أساسياً في مُمارسة بعض أشكال العنف من أجل البقاء على قيد الحياة، وهذا ما دفع بالعديد من الدارسين أو الباحثين أو المختصين في مجال علم النفس والسلوك والطبيعة إلى اعتبار هذا العنف سمة أصيلة أو فطرية لدى الإنسان، وهي المسؤولة عن كل الحروب والمآسي في تاريخنا البشري. غير أن مسيرة الإنسان اللاحقة والتي تطوّرت في العديد من مجالاتها قد دحضت هذه النظرية استناداً، وقبل كل شيء، إلى الخير المُتأصّل في النفس البشرية، وأيضاً إلى أن الإنسان حين يعي حقوقه وواجباته ويعيش في مجتمع يُحقّق له ما يُناسب إنسانيته ومتطلباتها، فإنه نادراً ما يلجأ للعنف حتى في أبسط أشكاله.

لا شكّ أن الظلم والاستبداد (الشخصي والعام) أحد أهم دوافع العنف الذي يبدأ من التربية الأسرية وينتهي بمختلف هيئات ومؤسسات المجتمع والدولة، وكذلك الظلم الذي تُمارسه الدول القوية تجاه الدول الضعيفة والمتمثّل بالاحتلال أو استغلال الثروات والسيطرة في مختلف أوجهها، كلها دوافع أساسية لمُمارسة العنف تجاه الآخر الظالم والمُستبد، وهو ما يُعتبر حقاً مشروعاً للدفاع عن الذات والوجود، وهذا ما كان عليه حال الإنسان والدول، حتى جاء المهاتما غاندي في الهند وبشّر بفلسفة مناقضة لما هو سائد، فكانت فلسفة اللاعنف التي قال عنها:

(إن اللاعنف هو أقوى قوة في متناول البشرية. فهو أعتى من أعتى سلاح من أسلحة الدمار تمَّ التوصل إليه من خلال إبداع الإنسان).

آمن غاندي بأن العنف لا يُمكن أن يُفضي إلاّ إلى العنف، ولذلك عمل على تشجيع العصيان المدني على نطاق جماهيري ضدّ القانون البريطاني، فكانت مسيرة الملح التاريخية عام 1930 خير مثال على الوصول إلى المبتغى عبر مقاومة لا عنفية، مُعتبراً أن (الوسائل العادلة تُفضي إلى غايات عادلة). بإيمانه هذا قاد غاندي الهند على طريق الاستقلال عن بريطانيا، ما جعل من فلسفته تلك مصدر إلهام لحركات اللاعنف الداعية إلى الحقوق المدنية والتغيير الاجتماعي في مختلف أنحاء العالم. وقد ظلّ غاندي طيلة حياته مُلتزماً بإيمانه باللاعنف حتى في ظلّ الظروف القمعية وفي مواجهة تحديات يبدو أنه لا يمكن التّغلّب عليها.

وانطلاقاً من هذا، وبسبب حاجة البشرية إلى السلام بعد حروب اغتالت إنسانية الإنسان وقدراته الخيّرة، واعترافاً بجليل ما قام به غاندي، اتخذت الأمم المتحدة من ميلاد غاندي يوماً عالمياً لنشر ثقافة اللاعنف على مستوى العالم، وفقاً لقرار الجمعية العامة 61/271 عام 2007 فهل بإمكاننا (أفراداً وحكومات) تبنّي فلسفة أو سياسة اللاعنف بالقدر الذي تبنينا فيه سياسة العنف التي أفضت إلى دمار وخراب طال كل ذرّة على كوكبنا، أم أن ثقافة اللاعنف عصيّة على سلوكنا وتفكيرنا اليوم!؟

 

العدد 882 - 16/10/2019