على أعتاب مدينة فاضلة

غزل حسين المصطفى:

على الرغم من أنني لا أحبُّ القطط من بين أصناف الحيوانات الأليفة، ولا أدري ما السبب، ولكن هذا لا يمنعني من أن أحزن عليها أو أن أقدّم لها رعاية ما.

في ذلك اليوم لم يستطع قلبي إلاّ أن يعتصر ألماً، حين مرّت بي صورة لقِطَةٍ صغيرة أراد بعض الصبية أن يتفنّنوا في تعذيبها، فقطعوا ذيلها وعادوا ليصلبوها ويشعلوا بجسدها النار، بعد عدّة أيام من التعذيب.

ومرّة أخرى قاطعت صفو ليلتي قصة لقِطَةٍ نُفّذت فيها أشنع العقوبات، وبعدها سُكبت عليها مادة لاصقة (الغراء) لم تمت، ولكنها كانت تتجرّع الموت في كأسٍ من حياة.

أنتفض غضباً وتقرع رأسي ألف عقوبة يجب أن تُنزل بكل من شارك في مثل هذه الجرائم، نعم، جرائم، إنها أرواح لا تستطيع الدفاع عن نفسها، ذكرتُ القطط على سبيل المثال لا الحصر.

تمرّ بنا عدة مشاهد نرى قلّة التربية تتجسّد بأقبح صورها فيما يتعلّق بالرفق بالحيوان والتعامل بطريقة إنسانية غير عنيفة، والسؤال: هل تُعتمد أفكار سياسة اللاعنف ضمن خطة التربية الموجهة للأبناء، أم أننا نقتصر على بعض التعاليم و(المواعظ) التي لا تُجدي نفعاً مع بعض الأطفال الأشقياء؟

في الغالب، حين نتحدّث عن العنف في منعطفٍ مُعيّن، لابدّ لنا أن نبحث عن دوافعه ومنعكساته لاسيما أن (دائرة العنف) قد تكون الأكثر شيوعاً، والمثال الرائج (مدير غاضب أنزل عقوبة بموظف، فيعود هذا الموظف ويُعنّف زوجته بطريقة ما فيُفرغ حممه فيها، وتتّجه هذه الزوجة إلى طفلها وتوبّخه وتصرخ بوجهه، فما بقي لذلك الطفل إلاّ أن يُسرع ليركل قطّته إلى الجدار).

الفكرة أن العنف لا يقتصر على كونه فعلاً يُمارس علينا، بل هو فعل وقول قد نُمارسه نحن على ذواتنا، وعلى المحيط البشري أو حتى الحيوانات والبيئة.

وسياسة اللاعنف تقتضي الامتناع عن ذلك، وهي بعيدة كل البعد عن الانصياع والرضوخ، لأنها تواجه القمع والطغاة وبشكل مباشر، لكن دون استخدام القوة بما يُحدث تغييراً اجتماعياً، فكيف نستخدم العنف لصنع مجتمع مسالم!؟

قد يُقال إن العنف هو جزء موروث من الطبيعة، لكن بالعودة إلى عدّة معطيات اكتسبها الإنسان القديم من أسلوب حياته ومقتضيات المعيشة، نرى اليوم أننا واكبنا التغييرات، وشذبنا طباعنا وتصرفاتنا بما يليق ويتناسب، كذلك العنف لا يمكن أن نُبرره بأنه مكتسب، ونحن نستطيع أن نضبط ردود الأفعال، وطرق المقاومة والحراك لأنه كان طريقة مؤقتة ولم يعد صالحاً في وقتنا الراهن.

على الرغم من وجود جمعيات ومؤسسات مجتمعية انبثقت لتُعمم ثقافة اللاعنف في المجتمعات، لكنها مؤسسات قائمة على الكلام والمطالب، لم نلحظ من فعلها إلاّ طيف خيال، وحتى هذا قد يكون محض (بروباغاندا إعلامية) للتسويق لا أكثر. حتى اليوم وصولاً إلى مقالي هذا، كلّه محض (صفّ كلام وحكي على ورق)! الفعل الحقيقي والأثر المطلوب مازال يُرسَم لنا على أنه من مكونات المدينة الفاضلة، ونحن في كوكب لا يتسع لمعالم هذه المدينة، لذلك علينا القبول والرضا.

برأيي، حتى وإن كان الموضوع مُجرّد مطالبة وحناجر تصدح، يكفينا أن نقضَّ مضاجع كل شخص يُناهض هذه المبادئ الإنسانية السامية.

 

 

العدد 882 - 16/10/2019