أما آن الوقت لنعيش بلا عنف؟!

وعد حسون نصر:

نعم، إن أخطر مرض عشّش في النفوس وأشدّ جهلاً أحاط بالإنسانية هو التعنيف والعنف بكل أشكاله (الجسدي، اللفظي، والمعنوي… الخ)، ولا يتوقف العنف فقط عند الإنسان، إنما يمتد ليشمل كل الكائنات التي تحمل روحاً حيّة.

ازداد العنف بشكل كبير في الشرق الأوسط والدول النامية التي كانت تخضع للاحتلال، فالعبودية التي أحاطت بهذه الدول جعلتها تتلقى العنف وكأنه قوت يومي، وخاصةً بعد أن سلبها المحتل حقّ العلم والمعرفة، فوجدت نفسها غارقة في جهل غيّب عنها حقوقها في الحياة الكريمة. فالحرب الشرسة على بلدي زادت من حالات العنف والتعنيف وخاصةً بين الأطفال واليافعين، أما آن الوقت لحلول ثقافة اللاعنف محلّ كل هذا العنف والتعنيف؟

يُعرّف اللاعنف بأنه شكل من أشكال الكفاح الاجتماعي، الذي كثيراً ما يوصف بأنه (سياسة الناس العاديين)، قد تبنّته جماهير الناس في مختلف أنحاء العالم، في حملات ترمي إلى تحقيق العدل الاجتماعي. وبالتالي هو مبدأ يرفض استخدام العنف الجسدي لتحقيق تغيير اجتماعي أو سياسي، ولعلّ غاندي، الذي ساعد على قيادة الهند نحو الاستقلال، كان مصدر إلهام لحركات اللاعنف الداعية إلى الحقوق المدنية والتغيير الاجتماعي في مختلف أنحاء العالم.

لقد لاحظنا خلال حربنا السورية حالات كثيرة فيها مأساة للإنسان، من تلقي الضرب والشتائم والتوبيخ وحتى الاتجار بالبشر بكل أشكاله، والأفظع أن العنف لم يغب عن التربية والتعليم، فكثيراً ما يلجأ المُدرّسون إلى استخدام العنف مع التلاميذ بشكل فاضح وواضح، وللحدِّ من هذا المرض تبنّت بعض المنظمات الأهلية والإنسانية والحقوقية فكرة العمل الجاد للقضاء على هذا الوباء واستئصاله من جذوره، خاصةً بعد هذه الحرب وما خلّفته من أضرار مختلفة، إلاّ أن تلك الأفكار مازالت بعيدة عمّا يُسمّى (اللاعنف) الذي هو نقيض العنف، لأن عملها اقتصر على حملات التوعية والمحاضرات الفكرية، وخاصةً فيما يُعنى بالمرأة والطفل، ونسيت في ندواتها أن تذكر أن اللاعنف هو أسلوب يستطيع به الناس الذين يرفضوا السلبية والخضوع، والذين يرون أن الكفاح ضروري، أن يخوضوا صراعهم دون عنف، والعمل اللاعنيف ليس محاولة لتجنّب الصراع أو تجاهله، بل هو استجابة لمشكلة كيفية العمل بفعّالية في مجال السياسة، لاسيما كيفية استخدام القدرات بفعالية كي نصل إلى مجتمع سوري خالٍ من العنف بعد الحرب الشرسة وما حملته من قهر. وهنا، علينا أن نُلغي وجود ما يُسمّى العنف بكل جوانبه وخاصة على الصعيد النفسي والروحي، ولهذا لا بدّ أن ننطلق من الجانب التربوي في الأسرة التي تكمن مهمتها في تعليم أبنائها أن لا يخضعوا لأحد، وأن ينالوا حقوقهم ولا يتنازلوا عن مطالبهم بعيداً عن العنف، لأنه تشويه فكري ينقلونه معهم عبر الأجيال، وقبل الأبناء يجب تطبيق هذا المبدأ على الآباء والأمهات، وكذلك من خلال المدارس والجامعات، كما في زيادة الوعي بأهمية اللاعنف عبر الندوات والمحاضرات بالمراكز الثقافية، كي نصل إلى عالم إنساني خالٍ نوعاً ما من القهر والجهل والعنف بكل أشكاله، كما علينا أن نخلق توازناً بين كفتي الميزان، فقد لاحظنا اقتصار عمل المنظمات على ترجيح دور الندوات على الإعانات، وكأن العنف فقط يُخَلُق بالفكر مُتناسية أن أهم أسبابه الفقر والجوع والقهر، ولذلك عليها أن تقضي على الأسباب لتخلص إلى النتائج المرجوّة، إذ لا يمكن لميت أن ينهض بميت آخر، فهل يمكن ضبط سلوك طفل جائع بائس وامرأة معنفة؟ وهل يمكن للبطون الفارغة أن تستوعب الفكرة وتفكيرها مشغول بالطعام؟ فما عملت عليه بعض المنظمات مشكورة كانت التوعية فقط، وبالتالي لكي أبني مجتمعاً سليماً من كل الجوانب، عليّ أن أزرع فيه بذور الخير وأنشر فكر التسامح والتعاطف، فلا يمكن لمجتمع ذاق كل مرارة القهر في حربه الدامية أن يبقى متبنّياً لفكرة العنف، ولا بدّ من ظهور النقيض (اللاعنف) وهذا واجبنا جميعاً أسرة ومدرسة ومنظمات أهلية وحقوقية.

 

العدد 882 - 16/10/2019