لكل فعل ردُّ فعل.. قانون لا بد أن يُطبَّق

إيناس ونوس:

يتسم الجنس البشري بسماتٍ مختلفةٍ ومتناقضة، فبقدر ما يمتلك من الرَّأفة والحب والعطف، يحمل من القسوة والكراهية ورفض الآخر والعنف الذي يُعتبر إحدى الخصال الفطرية عند البشر، إلاّ أن التَّربية وأساليب التَّعامل هما المسؤولان عن إظهاره أو العكس، فالأهل الذين يعتمدون أسلوباً مليئاً بالحب والحنان في تربية أبنائهم يستطيعون أن يضعوا العنف في مكانٍ مجهولٍ إلى حدٍّ ما في نفوس هؤلاء الأبناء، بينما نجد العكس واضحاً ملموساً عند الأبناء الذين ينشؤون لدى أسرٍ تعتمد أساليب التَّربية القائمة على التَّعنيف والإهانة والضرب.

وللعنف أوجهٌ متعددة، منها العنف الجسدي المتمثل بالضَّرب بأشكاله المتنوعة، والذي له من الآثار النفسية الكثير الكثير والتي حتماً ستظهر مهما حاول الشَّخص إخفاءها، أيضاً العنف اللفظي، الذي يحمل في طيّاته قسوةً وقهراً كبيرين ربما يفوقان عند بعض البشر ما يتركه العنف الجسدي، يُضاف إلى ذلك العديد من أشكال العنف الأخرى، كالعنف النَّفسي، المادي، الاجتماعي…إلخ. ولأن كل تلك الأشكال ترتبط بعضها ببعض ارتباطاً وثيقاً لا يمكن لنا إلاّ أن نُناقشها مجتمعةً.

فحين يتعرّض الإنسان لقسوة الحياة وظروفها في سبيل حصوله على لقمةٍ يُطعم بها أطفاله، يكون قد تعرّض لأذيّات العنف المتنوعة سواء من أرباب العمل، أو من آلية البحث عن عمل، أو عندما يدخل بيته خاوي الوفاض في وقتٍ كان ينتظره فيه أبناؤه بلهفةٍ لاستقبال ما يحمله لهم. وحين يسمح لنفسه بأن يُعبِّر عمّا تعرَّض له بأن يُلحق الأذى بمن حوله أطفالاً أو زوجة أو غيرهم يكون قد أدَّى دورين معاً في آنٍ واحد، دور الضَّحية ودور الجلاد.

حين يتعرّض موظف أو عامل لازدواجية المعايير، ولا يلقى من يقدِّر جهده وتعبه في الوقت الذي يلقى غيره التَّأييد والتَّبرير صاعداً على أكتافه يكون أحد المُعنَّفين.

حين يترك أحد الأبوين أبناءه لرياح الحياة تتقاذفهم على هواها، متنصِّلاً/ةً من مسؤولياته/اتجاههم يكون/تكون ممّن يمارسون أحد أوجه العنف.

في الوقت الذي ترمي الحكومات مسؤولياتها تجاه مواطنيها خلف ظهرها مقابل مصالح ضيّقة خاصة، تكون قد ساهمت في نشر ثقافة العنف القائم على الظُّلم.

عندما يُصبح الطّب والتَّعليم والقضاء مجالاً للعب والأخطاء والمنفعة المادية البحتة، يغدو الإنسان في مواجهة عنفٍ من نوعٍ مختلف.

حين يُعاني جيل الشَّباب للحصول على فرصة عمل، أو يكون غير قادر على تأمين مستلزمات الزَّواج، فيحرم نفسه من أبسط حقوقه الزَّوجية وتكوين أسرة، يكون ضحية العنف بأبشع أشكاله.

اليوم يحتفل العالم باليوم العالمي للاعنف، فهلّا كانت هذه الاحتفالية خطوةً حقيقيةً للحدِّ أو التَّخفيف – على الأقل – من العنف الذي غدا كما الهواء من حولنا؟ وهل يُمكننا اعتماد مبدأ (لكل فعل رد فعل يعاكسه بالاتجاه ويساويه بالشِّدَّة) لتطبيق سياسة اللاعنف كي يتحوّل لممارساتٍ يوميةٍ مُعاشة تنعكس نتائجها على حياتنا ومجتمعاتنا، فتُمسي العلاقات بكل أشكالها بين الأفراد أو بين الدُّول أرقى وألطف وأكثر إنسانيةً، تؤدِّي بالضَّرورة لإنهاء الحروب الكارثية المُدمِّرة للبشر والحجر ولكل الكائنات على وجه الأرض، بدل أن تبقى حلقة الكراهية والموت والقتل اليومي مفرغةً لا مفرَّ منها؟!

انتشر أنصار سياسة المهاتما غاندي في جميع دول العالم بما فيها سورية، إلاّ أن الحرب التي عشناها ولا نزال نُعايش آثارها أوقفت كل ما تمّ العمل عليه، فلنعد إلى العمل في هذا المجال ليؤسس لإعادة إعمار العلاقات المجتمعية بشكلٍ إيجابي بما يتوازى مع إعادة إعمار البنى التَّحتية الجارية حالياً، من أجل أن تستعيد سورية ألقها ورونقها! وذلك لا يتطلب جهوداً جبّارةـ بل إرادة جادّة مع بعض لمساتٍ ونفحاتٍ إنسانية أساسها الحب والتَّسامح والرأفة والعدل تكون كافيةً لأن تجعل الحياة أجمل وأحنّ بآلاف المرات من الجهود التي تحتاجها الأعمال القتالية والحروب القائمة على الكراهية ورفض الآخر.

العدد 882 - 16/10/2019