عن التربية والتعليم والمستقبل

ذوقان شرف:

التعليم حقٌّ أصيل من حقوق الإنسان، وهو حق من حقوق المواطنة نصَّ عليه الدستور، وأوجب على الدولة ضمان هذا الحق وتيسير سبُل الحصول عليه.

فإذا أردنا أن نستفيد من دروس الأزمة الكارثية التي مازال يعاني تبعاتِها شعبُنا وبلادُنا، فإن قضية التربية والتعليم تستحق أن تكون قضية وطنية استراتيجية من الدرجة الأولى، لأن مستقبل بلادنا وشعبنا يعتمد في كثيرٍ من جوانبه ويرتكز على إعداد الأجيال الجديدة لبناء هذا المستقبل الذي نريده علمانياً ديمقراطياً.

وواقع الحال، دون أن ندخل في التفاصيل، يستلزم أولاً إعادة صياغة المناهج التربوية والتعليمية وفق مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن التعليم، ويستلزم، في الوقت نفسه، تأمين مستلزمات التنفيذ الناجح لهذه المناهج (بناء مدارس وجامعات، تأمين قاعات ومخابر مجهزة تجهيزاً كافياً، إعداد الكوادر التعليمية والإدارية …).

ويتطلب ذلك:

– عقد مؤتمر وطني لتطوير المناهج يشارك فيه وفي الإعداد له وتحضير وثائقه، إضافة إلى المختصين التربويين والأكاديميين، ممثلون عن القوى السياسية الوطنية والنقابات المهنية والعمالية ومنظمات المجتمع المدني.

– زيادة حصة التربية والتعليم في الموازنة العامة السنوية، لتصل، على الأقل، إلى 25% منها، وكذلك من موازنات المحافظات.

– إنصاف المعلمين والمعلمات والإداريين في المدارس والجامعات، بمنحهم رواتب وتعويضات تحفظ كرامتهم وتحقق استقرارهم المادي والمعيشي، وتتيح لهم مجاراة التطورات التقنية والعلمية والأساليب التربوية الحديثة. وفي هذا الإطار لا بدّ من استعادة الدور الفاعل لنقابة المعلمين، التي تكاد لا يُسمَع لها صوت، دفاعاً عن أعضائها.

– الارتقاء بالبحث العلمي وربطه بتحقيق التنمية المطلوبة.

– اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة، في اختيار الكوادر الإدارية، بدلاً من الانتماء الحزبي، وكذلك في اختيار الموجّهين التربويين والاختصاصيين.

– وضع الأسس والمقومات لضمان تنفيذ ديمقراطية التعليم، ومجّانيته، ومنع إفساده، ووقف مظاهر الفساد ومعالجة أسبابه، حتى تنتفي الحاجة إلى الدروس الخاصة والدورات المكثفة والمعاهد الخاصة.

– تكثيف الجهود لتعويض ما فات أطفال ملايين السوريين الذين أُجبروا على ترك بيوتهم وقراهم ومدنهم ومصادر رزقهم، وهُجِّروا داخلياً أو خارجياً.

ويجدر التأكيد أيضاً أن الاستثمار في قضية التعليم، إذا ما أعطيت حقها من الاهتمام، هو الاستثمار الأفضل والأكثر جدوى. فالدراسات التتبّعية لمدخلات عملية التنمية ومخرجاتها تُظهر أن الخبرة البشرية تأتي في المرتبة الأولى من هذه المدخلات والمخرجات، لأن عائد الاستثمار التربوي يفوق كل عائد، ولأن العلم وتطبيقاته ركيزة كل استثمار، ومنطلق كل إنجاز.

العدد 882 - 16/10/2019