الصراع الطبقي لا يزول إلا بزوال أسبابه

بولس سركو:

الهيغليون الليبراليون والمتدينون من إيديولوجيي الرأسمالية طالما سعوا إلى نفي وجود صراع طبقي، وطالما ردد هذا الافتراض الخلبي عددٌ غير قليل من متلقي المعرفة الزائفة، على الرغم من الفشل الذي منيت به كل تلك المساعي الهادفة إلى خلق واقع منسجم مع الرؤى الرأسمالية للعالم.

لم يتحقق الهدف إلا حين لعب (صمويل هانتنغتون) لعبته، بعد يقين باستحالة نفي الصراع الطبقي، اللعبة تلخصت بأنه إذا كان لا بد من الاعتراف بوجود صراع داخل بنية المجتمعات، فلِمَ لا نجيّره لمصلحة الرأسمالية بدلاً من استمرار خطر الثورات الاجتماعية الناجمة عن إيمان الطبقات الكادحة بالنضال الطبقي؟ لمَ لا نفجّر هذا الصراع داخل بنية الطبقات الكادحة نفسها؟

اختلق (هانتنغتون) مفهوم (صراع الحضارات)، في وقت امتلاك الرأسمالية لأكبر ماكينة دعائية مؤثرة في العالم، ومتخصصين في الحرب النفسية وإعلاميين مدربين وإمبراطوريات إعلام ضخمة، حوّلت الثقافة المكتوبة إلى صوت وصورة، فحوّلت معها طبيعة التلقي من الصيغة النقدية للتفاعل الثقافي، إلى صيغة التلقين، فالعدد الأكبر من المستمعين المشاهدين اليوم يتلقون المعلومة جاهزة، ويردّدونها دون تقييم ولا تفحُّص لمصداقيتها، في حين تكون الصورة التي شغلت حيزاً كبيراً من الذاكرة قد شلّت عمل العقل في التدقيق، وخلقت قناعة داخلية تشبه إلى حد كبير قناعة الجمهور بمشهد مسرحي يؤدّيه ممثل بارع.

إضافة إلى ذلك، فإن بعض النخب المثقفة العربية التي كشفت عن عقد نقصها تجاه الثقافة الغربية المسيطرة، لعبت دورها في تثبيت القناعة بأن مفهوم الصراع الطبقي بات من مخلّفات ماضي الفلسفة، للتحول نحو صراع الحضارات الجديد! فماذا كانت النتيجة؟

كان أثر الدعاية كبيراً إلى الحد الذي جعل كثيرين من المناضلين السابقين من أجل العدالة الاجتماعية يغرقون من الرأس إلى أخمص القدمين في صراع الحضارات الجديد، وكأن الفكر التقدمي والشعور بالانتماء للوطن لم يمرّا على ذاكرتهم يوماً، والبعض شعر بالغبن وبأنه خُدع، فانقلب إلى الضدّ، وأطلق الشتائم على مجمل التجربة الاشتراكية والأحزاب التقدمية، والبعض شعر بالعجز واليأس من هول الصدمة فتنحّى جانباً وتقاعد، والبعض وهو الأشد خطورة يبتدع نوعاً موارباً من ماركسية توفّق بين فكر ماركس وقوى الاستعمار الجديد والعولمة المتوحشة بصفتها ثورة تكنولوجية قادرة على إحداث التطور في المجتمع البشري.

تشرذمت الطبقات الكادحة وتمزقت وأدمتها صراعاتها الطائفية والمذهبية والعرقية وضاعت بوصلتها النضالية، وتضاءل دور الأحزاب اليسارية ونشاطها، وشعبيتها. وفي المقابل، توطّد العرش الرأسمالي الدولي بصورته الليبرالية الجديدة، وأمّن مصالحه الطبقية لسنوات غير محدودة.

توحّشت قوى النهب الدولية وتزايدت ثروات قلّة من البلطجية الأثرياء هم فوق الدول والقانون الدولي، على حساب مليارات من الفقراء ومن هم تحت خط الفقر في العالم الذي أصبح مصيره مرهوناً لهذه القلة القادرة على تحريك آلتها العسكرية في وجه كل من لا يدفع الجزية، ومن لا يخضع، ومن يهتم بمصالحه الوطنية ويحافظ عليها. العنف ساد كوكبنا، والإرهاب انتشر في كل مكان، والفوضى والجريمة ملأتا حياتنا، وهذه هي النتيجة الطبيعية لتفكك الطبقات الكادحة وتمترس فقراء من دين أو مذهب أو عرق ضد فقراء من دين أو مذهب أو عرق آخر، في حين يبلغ الفارق الطبقي الشاسع بين فائض الثروة وفائض العوز والجوع والمرض حدّاً كارثياً خطيراً.

يقول ماركس: (تراكم الثروة في قطب واحد من المجتمع هو في الوقت نفسه تراكم الفقر والبؤس في القطب الآخر). إذاً، فإن أي ربط عقلي علمي جدلي لا بد أن يصل إلى نتيجة واحدة هي أن الصراع الطبقي لا يزول إلا بزوال أسبابه، لا يمكن أن يزول إلا بوجود العدالة الاجتماعية، إلا في أوهام من نجحت ثقافة العولمة من استلاب وعيهم، وجنّدتهم في خنادق المواجهات الرجعية التي لن تدوم إلى الأبد، وسيكتشف الجميع الهاوية التي اقتيدوا إليها في غفلة من الفكر.

إن عجلة التاريخ تدور والصراع الطبقي وحده المصدر والقوة المحركة للتطور، وهو أهم إنجاز للفلسفة العلمية في تاريخها حتى اليوم لمصلحة الناس، هو العمود الفقري لقانون وحدة وصراع المتناقضات الذي تؤكد وجودَه كل الدراسات العلمية كلما تعمقت ونفذت إلى جوهر ظواهر الطبيعة من علم الفيزياء الذرية وقوى الجذب والنبذ، إلى مختلف العلاقات المتبادلة بين متناقضين للشيء يشترط أحدهما الآخر (السلبي والإيجابي، الضوء والظل، الزائد والناقص، الخير والشر، السكون والحركة…الخ )، أو كما يقول لينين: (هو مفتاح فهم جميع نواحي وعوامل التطور).

العدد 1195 - 23/04/2026