فضاءات ضيقة.. الفكر والتغيير

د. عاطف البطرس:

قبل الحديث عن دور الفكر في عمليات التغيير يبرز أمامنا سؤال ملح:

هل نحن كجزء من العالم بحاجة إلى تغيير؟ وبصورة أعم، هل العالم نفسه كما هو عليه اليوم بحاجة إلى تغيير؟ وهل التغيير حاجة أو ضرورة على المستويين العالمي والمحلي؟ وما هي كيفيات التغيير وأدواته؟

منهجياً سنبدأ تناولنا للموضوع من العام، وننتقل إلى الخاص دون أن نغفل العلاقة الجدلية بينهما، محاولين تجنب المبالغة في دور الخاص (الخصوصية كما نبتعد عن طغيان العام عليه ومصادرة حقه في الوجود والتأثير والتفاعل في منظومة بنيوية متكاملة). يمر العالم من الناحية الفكرية بمأزق كبير تشكل بسبب منجزات الثورة الصناعية وبفعل ثورتي الاتصالات والمواصلات وشبكات التواصل الاجتماعي التي جعلت من العالم (قرية صغيرة) على ما في المفهوم من لبس وتضليل، فعالم اليوم ليس قرية صغيرة، بمعنى خلوه من الفوارق الاجتماعية وسيادة الوئام والمحبة بين أبنائه كما تعيش القرى، إنه مدينة متوحشة يأكل القوي فيها الضعيف.

أزمة الفكر العالمي تتجلى في أحد أشكالها في عدم التوازن بين الإنتاج المادي بكل ما يشمله، ومنظومات القيم الأخلاقية التي تهدر إنسانية الإنسان وتعمل على تسليعه وإخضاعه لربوبية السوق.

الحراك الفكري العالمي لا يرقى إلى مستوى متطلبات المرحلة التي تستدعي حلولاً عاجلة وملحة لإعادة التوازن المفقود بين الإنسان والطبيعة من جهة، والجماعات الإنسانية على مستوى العالم وفي كل دولة على حدة من جهة أخرى.

تأكد بما لا يقبل الشك أن الطريق الرأسمالي ليس أبدياً ولم يفضِ إلى حل مشاكل الإنسان، بل قاد البشرية إلى حروب عالمية ومحلية بسبب الجشع الرأسمالي وسياسات الهيمنة والسيطرة والتنميط التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية ممارستها على العالم.

لم تفض الحداثة وليدة الصناعة إلا إلى تحطيم وحدة الإنسان وازدياد عزلته، بينما لم يؤدِّ النظام الاشتراكي الأكثر عدالة وإنسانية إلى حل شامل لقضايا الإنسانية، فأجهض قبل أن يولد بعملية قيصرية. يعتقد بعض المفكرين بأنه جاء مبكراً وقبل أوانه.

إذا كان الوضع الدولي يعيش هذا المأزق الفكري المتجلي بعجز العقل عن استيعاب منجزاته والسيطرة عليها، إذ انفلتت من قدرته على ضبطها، فما هو وضعنا نحن فيما يسمى بدول العالم الثالث هذا المفهوم الذي انتفى بفعل انهيار العالم الاشتراكي (الثاني) فنحن اليوم في عالم واحد هو التسيد للرأسمالية، حيث يسعى مؤدلجوه إلى تأبيده ويقاومون بكل ضراوة ولادة عالم متعدد الأقطاب.

في هذا الخضم العالمي هل نحن بحاجة إلى تغيير؟ ومن أين نبدأ؟ علماً بأن وسيلة التغيير وهدفه تحقيق إنسانية الإنسان.

سؤال ملح وضروري وحيوي لا يمكن تأجيله.

الإجابة عليه تستدعي فهماً موضوعياً للواقع الذي نعيشه وتوصيفاً علمياً عقلانياً لمكوناته في سياق الوضع الدولي الذي مازال يتقدم علمياً وصناعياً.

التغيير عملية مستدامة لا يمكن أن تتوقف، وإذا ما توقفت بفعل قوى الإعاقة محلياً ودولياً، فهذا لا يعني أن المجتمعات تراوح في مكانها لأن المراوحة في المكان بالمفهوم النسبي للحركة والزمن هي عودة إلى الوراء ما دام العالم يتطلع إلى السير نحو المستقبل.

حاجتنا إلى التغيير على كل المستويات كحاجتنا إلى الماء والهواء فلا حياة مع الجمود والتخلف ولا مستقبل للأمم والشعوب إلا إذا سلمت بأن قانون الحياة الأول هو قانون المتغيرات.

الحاجة ملحة إلى تغيير على المستوى السياسي والاقتصادي (الاجتماعي) والثقافي والفكري، ترى من يقود هذه العملية المركبة المتساوقة وما هي نقطة البداية فيها؟ أسئلة تحتاج إلى أجوبة تفضي بدورها إلى أسئلة أخرى.

المواجهة تتطلب جهداً جماعياً متضافر من كل القوى الفاعلة في المجتمع مبنياً على تشاركية تفاعلية تصوغ مشروعاً حضارياً إنسانياً منفتحاً على تجارب الآخرين.

العدد 878 - 18/09/2019