من الواجهة الأخرى للصراع… فترة ولاية نتنياهو

يصل مساء يوم الأحد بنيامين نتنياهو إلى مقر الرئاسة في القدس، ليتسلم من شمعون بيريز في مراسم احتفالية كتاب تكليفه بتشكيل الحكومة 33 لإسرائيل. بعد نحو 28 يوماً سيعود إلى المقر الرئاسي ليطلب تمديداً. وذلك بافتراض أن لا يتدهور الوضع في الشمال ويتفاقم إلى مواجهة. فمثل هذا السيناريو قد يقود إلى تلطيف مواقف اللاعبين السياسيين وتقصير أمد تشكيل الحكومة.

وليس صعباً التكهن بما سيدور في رأس نتنياهو. هذه هي المرة الثالثة التي ينال فيها هذا الشرف الرفيع. وليس صعباً التكهن بما سيدور أيضاً في رأس الرئيس. لقد سبق لبيريز أن تحدث ما يكفي في العامين الأخيرين، أعوام وعيه وخيبته من نتنياهو. وتكلم في حوارات خاصة وأخرى علنية، أمام الكاميرات. وتكلم في ذروة المعركة الانتخابية عن الجمود السياسي الخطير، عن السعي للسلام المنسي الذي غدا ظلمة معيبة، عن العمى الذي أصاب القيادة الإسرائيلية. تكلم وتكلم، وهو اليوم سيمنح التفويض، للمرة الثانية، لنتنياهو الذي يجسد في نظر بيريز بشخصيته، بسياسته وبسلوكه ما تشوش في دولة إسرائيل، الانحراف عن المسار، والركض العنيد نحو حافة الهاوية.

ورغم الانتصار، فإن وزراء الليكود الذين وصلوا صباح يوم الأحد إلى اجتماعهم الأسبوعي الأول بعد الانتخابات، وجدوا زعيمهم في مزاج غاضب. فقد قرأ نتنياهو يوم السبت الصحف ومثل الملكة والأقزام السبعة، صُعق مما أرته له المرآة الوقحة: أنه ليس مدفعاً، وأن هناك في أرجاء المملكة شاباً، أشد جمالاً ونجاحاً منه وله (يوجد) مستقبل أكثر واعداً منه، وأن الأقزام حوله يشتمون الدماء، ويخربون الكروم، ويتقاذفون القاذورات بعضهم على بعض، ويتهمون أحدهم الآخر، بالفشل ويبحث كل منهم عن رأس الآخر.

فأصدر رئيس الحكومة أمراً إلى وزرائه الزّعِلين، (من الآن، محظور إجراء المقابلات الصحافية من دون إذن وقبل تنسيق الرسائل). فوجئ الوزراء. فقد ظنوا أن المعركة الانتخابية انتهت، التي خلالها طلب منهم أن يذهبوا للبث وأن يرددوا كالببغاوات ورقة الرسائل اليومية. تبين أنها لم تنته. الحملة ماتت، والحزب يشارف على الموت ولكن معاني الحملة لا تزال حية. وواصل نتنياهو كلامه غاضباً، (الأمر نفسه يسري على الإجازات، فهي تلحق ضرراً بالغاً في هذه المرحلة الحساسة قبل المفاوضات الائتلافية. أمور كهذه يمكن أن تكلفنا غالياً، وكل من يفعل ذلك سيدفع الثمن).

والخطر كان واضحاً. ليس مطلوباً تعليقات أو تفسيرات. بعد نحو شهر، أكثر أو أقل، سيدعى الوزراء إلى ديوان رئاسة الحكومة ليسمع كل منهم أي حقيبة سينال. وما ينقصهم هو إغضابه. فقبل يوم الدين لكل منهم سيضطرون لأن يَرْوا بأعينهم المنهكة الحقائب المرغوبة جداً، موضع أحلامهم الرطبة، تنزلق واحدة تلو الأخرى إلى الشركاء: شريكاً وراء شريك، حزباً بعد حزب، سينالون حقيبة خلف حقيبة. هذا هو الحال بالأسلوب الائتلافي الإسرائيلي المعروف بأسلوب الجدة طبخت العصيدة ووزعتها لهذا وذاك ولمن تبقى.

وعقدت جلسة (وزرائنا) في ديوان رئاسة الحكومة بعد يومين من لقاء نتنياهو ويائير لبيد في المقر الرسمي في شارع بلفور في القدس. ولم يتسرب شيء عن محتوى اللقاء. ولاحقاً يمكن أخذ الانطباع أن نتنياهو لا يعرف بالضبط كيف يأكل لبيد هذا. فالفجوات بين نظرتيهما واسعة: إزاء ما يسمى ب(المساواة في الأعباء)، والذي هو من دون ريب العبوة الناسفة الأشد في المفاوضات التي ستبدأ رسمياً يوم الأحد، وإزاء تشكيلة الحكومة (نتنياهو يريد الحريديم، لبيد يفعل كل شيء كي يبقوا خارجها)، وإزاء عدد الوزراء (نتنياهو يريد 30 وزيراً سعيداً هذه المرة، لبيد يتحدث عن حكومة مقلصة من 23-24 وزيراً)، وأيضاً في الشأن الفلسطيني: لبيد يطلب مفاوضات سياسية بأسرع وقت، ونتنياهو يعرف أنه من أجل البدء بمفاوضات جدية عليه أن يضع اقتراحاً حقيقياً على الطاولة. نفسياً، هو ليس مؤهلاً لذلك. وهو يؤمن بأن أي اقتراح يقدم لن يكون ذا شأن لأن الفلسطينيين سيطلبون أكثر.

ويقول نتنياهو لرجاله إنه ينوي التوقيع على الاتفاق الائتلافي، وبضمن ذلك توزيع الحقائب، أولاً وقبل كل شيء مع (يوجد مستقبل). المشكلة هي أن لبيد يريد أن يجلب معه البيت اليهودي برئاسة نفتالي بينت وربما أيضاً كديما برئاسة شاؤول موفاز. وجميعهم 64 عضو كنيست، يشكلون أساساً معقولاً لائتلاف. نتنياهو، على أقل تقدير، غير متحمس لبينت. على ما يبدو سيضطر لابتلاع هذا القدر. ويصعب تخيل ائتلاف من دون بينت ومع شاس. والأدهى، أنه من بين كل الشركاء المحتملين، يبدو بينت كشريك أكثر راحة وإخلاصاً. فهو يتوق جداً لدخول الحكومة، وهو أيضاً عديم الخيارات الأخرى، كما أن المطالب المتوقع أن يعرضها في المفاوضات معقولة ومريحة للمستخدم. لنقل إنها مطالب أخ من أخيه.

في الأسبوع الفائت كانت الصلة دائمة بين رجال رئيس الحكومة وقادة (يوجد مستقبل). وحسب مصادر في ديوان رئاسة الحكومة جرت مباحثات أيضاً مع أوري شني، مستشار لبيد، عضو طاقمه للمفاوضات الائتلافية، والرجل الوحيد في محيطه الذي أقام وحافظ على ائتلافات وحكومات (لمصلحة أرييل شارون) وأدار ديوان حكومة، والذي يعرف عن قرب الأزقة الأشد عتمة في السياسة الإسرائيلية، وأيضاً النفوس الفاعلة، والمؤامرات والألاعيب التي لا يتخيل رجال الشاب الذهبي أبداً وجودها. وكل من صادف أن قضى أمسية مع شني، ليسمع قصص التراث القتالي لاتصالاته الائتلافية لتشكيل حكومتَيْ شارون في 2001 و2003 يفهم أنه تنتظر طاقمَ محامي نتنياهو وأفيغدور ليبرمان أيامٌ غير سهلة.

وحتى الآن يجلب لبيد معه نوعاً آخر، إيجابياً، من الإدارة السياسية. وقد جسد ذلك غداة الانتخابات عندما أعلن أنه لن يحاول إنشاء كتلة مانعة (التي أصلاً لم تكن لتقوم إلا في الخيال المريض وغير المرتبط بالواقع والحساب الابتدائي لعدد من رجال اليسار). ومع ذلك فإن أسلوبه تجاه (أمثال حنين الزعبي) كان مهيناً وفظاً، وذكّرنا قليلاً بوالده المرحوم، وعلمنا أنه لم يتحرر بعد من عقلية كاتب العمود.

وقد لجأ إلى أسلوب خال من الألاعيب عندما أوصى الرئيس بتكليف نتنياهو تشكيل الحكومة (رغم أنه لم يكن يضر أن يقول لوسائل الإعلام، إلى جانب شعاراته الدائمة عن وزراء من دون حقائب ومساواة الأعباء، جملة أو جملتين عن المشاكل الأمنية التي تواجهنا). ويقرر برنامج (يوجد مستقبل) أن رئيس الكتلة الأكبر سيرأس الحكومة ولبيد التزم بالبرنامج. ومرة أخرى، تكتك اليساريون الدوغمائيون بألسنتهم. فقد أرادوا أن لا يوصي لبيد بتكليف أحد، كنوع من الاعتراض الصبياني، رغم أنه أوضح، محقاً، أنه غير ناضج للمنصب. بعد ذلك فإن (الصغير) يستغرب ما نبذه الشعب وابتعد عن ألاعيبه.

 

شرك 69

في الأيام المقبلة سنسمع نتنياهو يقول، مراراً وتكراراً، بوجوب تشكيل حكومة واسعة. وسيوضح حيوية مواجهة المخاطر الاستراتيجية. نعم، بالتأكيد. والخطر الاستراتيجي الوحيد الذي توفره حكومة تشارك فيها يهدوت هتوراه وشاس رداً له، هي حكومة يكون فيها لسان الميزان من المعسكر الخصم. أي، (يوجد مستقبل). ونتنياهو سيبذل كل ما في وسعه لتشكيل حكومة تعد 80 نائب كنيست، حتى إذا انسحبت كتلة لبيد من الائتلاف لا يخسر الأغلبية في الكنيست. هناك شكوك بأن يفلح في ذلك، للأسباب الآنفة الذكر.

بعد انتخابات 2009 أدار نتنياهو مفاوضات متقدمة مع كتلة كديما برئاسة تسيبي ليفني، التي كانت أكبر بمقعد من كتلة الليكود، لتشكيل حكومة وحدة متساوية. فاوض، لكن بقلب منشطر وخشية كبيرة من (أنهم سيسقطونني)، كما دأب على القول لرجاله، قاصداً ليفني وحاييم رامون. ولحظة أزال ليبرمان الفيتو عن زعيم حزب العمل آنذاك، إيهود باراك، فتحت الطريق لنتنياهو لتشكيل حكومة على أساس شركائه الطبيعيين زائداً حزب العمل. كانت هذه حكومة منيعة على السقوط، لأنه لم يكن لأي من مكوناتها مستقبل أكثر في خارجها. كانت قوتها تكمن في ضعف مكوناتها.

الآن، مرة أخرى يقول نتنياهو لمقربيه، (إنهم سيسقطونني)، قاصداً لبيد وأوري شني. رئيس الحكومة المكلف توقع هذا الأسبوع في برنامج (عوفدا)، الذي وثق رحلة لبيد الانتخابية. وكرئيس الكتلة الثانية لناحية الحجم، تملك 19 مقعداً، سأله الصحافي بن شني، إن كان ينوي التنافس على رئاسة الحكومة في الانتخابات المقبلة، فرد، بعينين شبه مغمضتين، (أفترض ذلك). وعندما سئل إن كان سيفوز، كان رده المتهور بعض الشيء، (أفترض ذلك). ويبدو كمن مر بنشوة، أو رؤيا. ومخيف التفكير بما كان سيحدث لو أن شني سأله: (هل أنت ملاك؟). وهذا هو الشرك الذي وقع فيه مؤلف الحكومة المقبلة: إذ يفترض أن يخرج عن طوره في الأسابيع القريبة من أجل ضم لبيد إلى ائتلافه ومنحه القوة والنفوذ والمكانة الرفيعة، التي ستخدم الأخير في محاولته هزيمة نتنياهو في المرة المقبلة.

والتركيبة السياسية البادية هي كل ما يخافه نتنياهو. وهي كل ما لا يريد حدوثه. إنها كابوسه وكابوس سارة، وتحقق كل مخاوفهما. واقترح مراقب سياسي مخضرم هذا الأسبوع الانتباه لما يجري في القاطع بين نتنياهو، يفني وموفاز. وقال المراقب: (في وضع معين، يمكنهم أن يكونوا إيهود باراك العام 2009. بيبي يدير مفاوضات مع لبيد، وفي اللحظة الأخيرة يبقيه خارجاً ويشكل حكومة مع الحريديم، اليمين، وتكون ليفني وزيرة خارجية أو مديرة المفاوضات السياسية، وموفاز وزيراً للدفاع في حكومة تضم 69 عضو كنيست).

أيبدو الأمر غريباً وغير منطقي؟ حقاً. لكننا تعلمنا مراراً، وبضمن ذلك مؤخراً، أن هذا ليس ضمانة لأن لا يحدث شيء كهذا. أو على الأقل أن هذا التفكير لا يخطر ببال نتنياهو.

 

(هاآرتس) 1/2/2013

عن (السفير)

العدد 1191 - 18/03/2026