من الصحافة العربية العدد 566
من مقابلة مع سمير أمين حول مصر وحكم الإخوان
* بالنسبة إليك، إلى أين يذهب الإخوان بمصر؟
** كتبت منذ فبراير/ شباط 2011 أن السيناريو الأمريكي للحالة المصرية هو أقرب إلى السيناريو الباكستاني، إذ يوجد برلمان بأغلبية إسلاموية على النمط الباكستاني، ومن ورائه مؤسسة عسكرية إسلامية هي الأخرى، من أجل تنفيذ المشروع الأمريكي.
وتكفي المقارنة بين الهند وباكستان لنتعرف إلى نتيجة سيطرة الإسلام السياسي؛ فباكستان قبل 1948 لم تكن أفقر من الهند، بل على العكس كانت تضم مناطق من أغنى الأراضي في شبه الجزيرة الهندية، لكن اليوم استطاعت الهند – مع كل ملاحظاتي على النموذج الهندي – تحقيق تطور هائل بفضل العلمانية والديموقراطية.
نموذج آخر لحكم الإسلاميين في الصومال أدى إلى تحطيم الدولة بالأساس. الآن لا توجد دولة في الصومال، بل توجد مراكز قوى وصلت طبقاً لبعض الدراسات إلى 35 دويلة في الصومال الآن.
النموذج الثالث لحكم الإسلاميين هو السودان، فمن بعد سياسات حسن الترابي، انفصل ثلث السودان الجنوبي، رغم أن أهداف جيش التحرير الجنوبي منذ البداية لم تكن الانفصال، ولكن دولة علمانية ديموقراطية لجميع السودانيين. والآن يأتي الدور على الغرب السوداني – الذي يقطنه مسلمون- أي نحن أمام حالة جديدة من تفكك الدولة في السودان.
* ولماذا تساند الولايات المتحدة هذا السيناريو؟
** الهدف الرئيسي لاستراتيجية الولايات المتحدة هو منع نهضة مصر، أن تظل دولة رأسمالها التسول من الخارج، وتبقى المعونة الأمريكية للقوات المسلحة هدفها تخريب القوة الهجومية والدفاعية للجيش، وتبقى الأموال الخليجية تتدفق، لا من أجل بناء المصانع، ولكن من أجل تقوية النظام الحاكم وتقوية النمط التجاري لا التنموي في مصر.
ومصر في هذا المشروع من الناحية السياسية هي الدولة التي تساعد وتنحاز إلى السياسات الأمريكية في المنطقة، فمصر ساندت التدخل الأمريكي في العراق، وتدمير الدولة العراقية وتحويلها إلى دويلات عرقية، وحالياً السياسات نفسها بالنسبة إلى سورية.
وبالتالي هي خاضعة للمشروع الصهيوني في تصفية الوجود الفلسطيني داخل أراضي فلسطين المحتلة، بل والتوسع خارج حدود فلسطين. فبالنسبة إليّ، طموحات الإسرائيليين في سيناء لا تزال موجودة ويمكن أن تتجدد.
وهنا نجد ثلاث قوى من مصلحتها المشتركة عدم نهضة مصر، هي: الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج؛ لأن نهضة مصر – بمعنى وجود دولة وطنية تنموية – معناها أن تؤدي مصر دوراً قيادياً على صعيد المنطقة إن لم يكن على صعيد عالمي، وساعتئذ سيتلاشى الدور الخليجي المدعوم بأموال النفط والخطاب الإسلامي الرجعي. أيضاً الميول التوسعية لإسرائيل ستقف أمام قوى مانعة، وبالتالي يتوقف المشروع الأمريكي لبسط السيادة على المنطقة المتحققة بأشكال مختلفة الآن في العراق وسورية ومصر وغيرها.
* برأيك متى بدأ هذا المخطط؟
** تركيبة النظام الحاكم بدأت تتغير مع السادات، لتصبح أشبه بمثلث رأسه في واشنطن وقاعدته المؤسسة العسكرية والإسلام السياسي اليميني الرجعي، من أجل تنفيذ الأجندة الأمريكية في المنطقة. وهذه خطة استراتيجية وضعها كيسينجر وبريجينسكي، وبدأ السادات في تنفيذها. فهو من أرجع قيادات الإخوان من الخليج، وأفرج عن باقي القيادات المعتقلة ليواجه الناصريين واليساريين، ليكمل هدفه الأساسي، وهو تفكيك المشروع الناصري، الذي كان يهدف إلى بناء دولة وطنية تنموية. خلال فترة السادات ومبارك كانت القوات المسلحة هي الحجر الأساس في المثلث الحاكم وقوى الإسلام السياسي تابعة لهم، فالخطاب الإسلامي هو الخطاب السياسي الوحيد الذي كان موجوداً عبر الأربعين عاماً الماضية، وما يراه البعض على أن هناك منافسة بين المؤسسة العسكرية والإخوان غير صحيح، فهناك منافسة في مشاركة الحكم، لا من أجل إزاحة طرف من اللعبة. الآن توازن القوى تغير لمصلحة الإسلام السياسي من دون استبعاد قيادة الجيش، فهي ستظل كما هي، تتمتع بجميع الامتيازات والثروات التي كومتها عبر السنين الماضية.
عن (الحوار المتمدن)
24 /1/2013
قراءة في الذكرى الثانية لثورة (الميدان)
اليوم، وفي غمار الذكرى الثانية لانتفاضة البوعزيزي في تونس وثورة الميدان في مصر تتراجع مشاعر الزهو بانتصار الإرادة الشعبية على الطغيان. ويتبدى واضحاً أن عملية التغيير الثوري والاندفاع إلى بناء الغد الأفضل تتعرض لمخاطر جدية، وأن (الحكم الجديد) الذي وصل إلى سدة السلطة يمارس سياسة فئوية ويحاول احتكار القرار ويكاد يدعي أن (الثورة) ثورته، مع أنه قد سارع إلى الالتحاق بها عندما تأكد له أنها منتصرة حتماً، ومن ثم فهو يندفع إلى إقامة حكم الحزب الواحد بقوة الشعار الإسلامي، كما بضعف جمهور الميدان في تنظيمه وفي قدراته المادية.
لكأننا أمام ثورات مخطوفة أو مرتهنة لقوى لم تكن رائدة في التصدي لحكم الطغيان، ولكنها تملك من القدرات المادية وفعالية التنظيم والعلاقات الدولية مع عواصم القرار كما مع الشبكة العالمية للإسلام السياسي، كانزة الذهب، ما قد يمكنها من اختطاف (الثورة)، ولو إلى حين، مع كل ما يستدعيه هذا الاختطاف من اشتباكات وبلبلة واختلاط الأوراق وإعادة الاعتبار إلى حكم الطغيان والإفادة من دعم جماعات المنتفعين منه لمواجهة ثورة (الميدان).
فالحكم الإخواني لم يتورع عن الذهاب إلى التحالف مع (نجوم) نظام الطغيان، بل هو بادر إلى الإفراج عن العديد من أقطابهم متجاوزاً محاكمتهم حسب الأصول، وفيهم من هو متهم بارتكاب جنايات ضد المواطنين أو ضد المال العام.
بالمقابل، أفاد النظام الجديد – القديم من غياب الوحدة عن صفوف الثورة، والعجز عن بناء جبهة موحدة وقوية تجمع شتات هذا الطوفان من الجماهير الذي يكاد أن يكون بلا قيادة، على كثرة المتصدرين، وبلا برنامج برغم السيل المتدفق من الأفكار والمقترحات ومشاريع التوحد أو المشاركة في جبهة مؤهلة لأن تعيد رص الصفوف وتوحيد المتباينة آراؤهم في برنامج مشترك للتغيير.
إن جماهير الثورة حاضرة، وهي لم تغب يوماً واحداً عن الميدان، لكن قياداتها المفترضة لم تنجح حتى الساعة في إدارة الحوار البناء الذي يؤدي إلى صياغة البرنامج المنشود وخطة التحرك المطلوب.
ولغياب الفرح سببه المباشر: الإحساس الطاغي بأن الثورة قد سُرقت، وأن (الثوار) لم يكونوا مستعدين لما بعد مرحلة إسقاط نظام الطغيان الذي فاجأ الجميع بهشاشته.. وعلى رأس (الجميع) الأصدقاء الكبار في واشنطن، الذين (أمروه) بأن يتنحى، فنفذ الأمر وسلم السلطة إلى أعوانه في قيادة القوات المسلحة الذين لم يكونوا من الثورة أو فيها… حتى وإن حفظ لهم الميدان أنهم لم يتصدوا لها برصاص يقتطع شعب مصر ثمنه من لقمة عيشه.
السرقة واضحة الآن بتفاصيلها جميعاً، والتواطؤ بين (الإخوان) ومن معهم وبين الإدارة الأمريكية والمعسكر المذهب في بعض الجزيرة والخليج ومعه تركيا لم يعد من الأسرار، بل إن وقائعه باتت مكشوفة: زيارات دعم وتأييد، ومشاريع قروض أو ودائع أو وعود باستثمارات بمليارات الدولارات، واجتماعات متوالية للمؤسسات المالية حاملة الشعار.. الإسلامي.
ومع أن ذلك كله لم يعرف طريقه إلى التنفيذ، إلا أن مجرد إشاعة هذا المناخ المطمئن قد يعطي النظام فرصة للمناورة وتقديم الوعود بأن الرخاء قادم عبر (الحكم المؤمن)… وماذا يهم إن كان مشروع الدستور قد أقر بطريقة غير دستورية؟! أو كان الإخوان يتقدمون في محاولة السيطرة على الدولة بمؤسساتها المختلفة، قبل أن يستعيد شباب الميدان وعيهم وقدرتهم على استكمال التغيير بالوسيلة الديموقراطية الوحيدة التي يعتمدونها: الانتخابات.
لقد أنهك النظام المصريين في مسلسل من الانتخابات المباغتة والاستفتاءات العبثية، وبينما هو يواصل (استئصاله) للمؤسسات المعارضة، بدءاً بالقضاء، مروراً بالنقابات والاتحادات المهنية، وصولاً إلى الصحافة مؤسسات ونقابة… حتى لو أغفلنا غارة السلفيين على المدينة الإعلامية، وتجاوزنا عن أحاديث كبار (الإخوان) عن (حقوق اليهود في مصر) وهم الذين أخرجتهم إسرائيل من واقعهم كمواطنين طبيعيين في بلادهم لتجعلهم جنوداً في جيشها يقاتلون (أهلهم) في مصر.
على أن كل تلك المناورات والمؤامرات وحالات التواطؤ لن تزيد من (شرعية) الهيمنة الإخوانية على السلطة، ولا هي ستنتقص من شرعية (الميدان) وشبابه وقدرتهم على الاستعداد للمرحلة المقبلة، وقد وحدوا صفوفهم أو توافقوا عبر جبهة سياسية متينة البنيان، تستدرك ما فات من أسباب المقاومة، ثم التقدم لتظهير وجه مصر الحقيقي الذي لا يشبه بأي حال وجه (المرشد) أو (الشاطر) أو ما بينهما.
وكل عام ومصر بخير، ليكون العرب بخير.
طلال سلمان
(السفير)، 23/1/2013
السحر ينقلب على الساحر في ليبيا
قبل عامين تدخّل حلف الناتو عسكرياً من أجل مساعدة الشعب الليبي للإطاحة بنظام ديكتاتوري فاسد، وتحويل ليبيا إلى واحة للأمن والاستقرار، ونموذج في الديمقراطية يثير غيرة جيرانه وحسدهم.
بعد عامين تصدر دول حلف الناتو تعليمات صارمة إلى رعاياها في مدينة بنغازي موئل الثورة الليبية، وموطن شرارتها الأولى للمغادرة فوراً بسبب وجود أخطار حقيقية تهدد أرواحهم.
وكان لافتاً أن بريطانيا وألمانيا وهولندا هي من أبرز الدول التي أطلقت صفارة الإنذار، وطالبت كل رعاياها بالرحيل، وقالت وزارة الخارجية البريطانية في بيان لها (نحن على علم الآن بتهديد محدد ووشيك ضد الغربيين في بنغازي، ونطالب البريطانيين الموجودين هناك أن يغادروا على الفور).
التهديد الذي تتحدث عنه هذه الحكومات الغربية يأتي من الجماعات الجهادية الإسلامية الموجودة على الأراضي الليبية، وفي منطقة الشرق على وجه الخصوص، التي تريد الثأر من هذه الحكومات بسبب تدخلها في الهجوم الذي يشن حالياً في شمال مالي للقضاء على المتمردين الإسلاميين.
ليبيا (تحررت) من نظام العقيد معمر القذافي، ولكنها تحولت إلى دولة فاشلة لا تسيطر على أراضيها، وتحكمها الميليشيات المسلحة، ويستفحل فيها الفساد بكل أنواعه في ظل حكومة مركزية ضعيفة.
المجموعة الجهادية التي هاجمت مجمع غاز في عين أميناس في الصحراء جنوب شرق الجزائر جاءت من ليبيا، واشترت أسلحتها الحديثة المتطورة من كتائب الزنتان في جبل نفوسة الغربي. والجماعات الجهادية التي تواجه التدخل الفرنسي في شمال مالي حصلت على أسلحتها من مخازن النظام الليبي السابق التي جرى تركها في العراء لمن يريد.
صحيح أن المجلسين المحلي والعسكري في الزنتان أصدرا بياناً نفيا فيه حصول الجماعات المهاجمة لمجمع الغاز على أسلحة من كتائب الزنتان، ولكن هذا لا يعني أن ليبيا تحولت إلى غابة للسلاح، ومسرح للميليشيات المسلحة وقاعدة للجماعات الإسلامية المتشددة.
ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، قال في تصريحات أدلى بها يوم أمس الأول في البرلمان: إن الحرب على (إرهاب) تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي قد تستمر لعقود، ولكنه لم يقل إن تدخل حلف الناتو في ليبيا عسكرياً هو الذي جعل هذا التنظيم يزداد قوة وتسليحاً.
الأوضاع في ليبيا تتجه نحو الأسوأ، وكذلك منطقة الساحل والصحراء الكبرى، خاصة بعد التدخل الفرنسي في مالي، وإرسال قوات للحفاظ على مخزون النيجر من اليورانيوم.
الدول الغربية تتدخل عسكرياً لتأمين مصالحها من النفط والغاز واليورانيوم، والشعوب المخدوعة بشعارات الحرية وحقوق الإنسان تدفع الثمن غالياً.
(القدس العربي)
24/1/2013