تفجيرات الولايات المتحدة.. محاربة الإرهاب الانتقائية وتبعاتها

يثير تفجيرا ماراثون بوسطن بولاية ماساسوسيتش الأمريكية، يوم 16 نيسان الجاري، العديد من التساؤلات، حول هوية منفذيه وأهدافهم، وقد أعقبهما انفجار مصنع للأسمدة في بلدة ويست في ولاية تكساس. كذلك في 19 نيسان اكتشاف رسالتين تحويان سمّ (الريسين)، موجهتين إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما وسيناتور ميسيسيبي الجمهوري روجر ويكر.

وإذ جاءت هذه الأحداث متتابعة، فإنها كشفت عن تكهنات وآراء مختلفة تجاهها، إلا أنها أعادت إلى الأذهان اعتداءات 11 أيلول عام 2001 الإرهابية، وما أشاعته من أجواء أمريكية ودولية سلبية، واستخدمها الرئيس جورج بوش الابن وإدارته الجمهورية، ذريعة لإعلان الحرب على الإرهاب الدولي، وتبعاته السلبية أيضاً على العديد من الدول خصوصاً، وعلى العلاقات عموماً.

تفجيرا بوسطن اللذان وقعا بفارق 13 ثانية، وأوديا بحياة 3 أشخاص وجرح أكثر من 176 شخصاً، بينهم 17 مصاباً في حالة خطرة، أكد مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف. بي. آي) أنهما يشيران إلى أسلوب القاعدة، (استخدمت فيهما طنجرتا ضغط تحتويان مسامير)، أعقبهما بعد يومين انفجار مصنع الأسمدة في بلدة ويست في ولاية تكساس، وأدى إلى مقتل 15 شخصاً وجرح 160 آخرين، تخللهما الكشف عن الرسائل التي احتوت سمّ (الريسين) المرسلتين إلى الرئيس أوباما والسيناتور ويكر.

ورغم تتابع هذه الأحداث الإرهابية خلال ثلاثة أيام، في مناطق متفرقة ومتباعدة في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن التباينات حول مصدرها وفاعليها، والجهة أو الجهات المسؤولة عنها، ظلت قائمة حتى تاريخه. وفي الوقت الذي توجهت فيه الأنظار وبعض الاتهامات في تفجيري بوسطن نحو شخصين من أصول شيشانية (الشقيقان تيمور وجوهر تسارناييف)، يدرس الثاني في الجامعات الأمريكية، ويملكان إقامة سنوية في الولايات المتحدة، قتل تيمور خلال مداهمات الشرطة، وألقي القبض على الثاني، فإن توالي الأحداث التي جرت يؤشر إلى ما هو أبعد من اتهامات لهذين الشخصين. إذ أكد المسؤول عن ملف التحقيق في هذين التفجيرين في مكتب (إف. بي. آي) ريتشارد ديلوريرز أن (التحقيق جرمي، ويمكن أن يصبح إرهابياً، فيما يتوجه الآن إلى الساحة الداخلية، وليس نحو جماعات إرهابية في الخارج، رغم أننا حريصون على توسيع تحقيقنا إلى آخر أصقاع الأرض). وأعقبه استطلاع للرأي العام الأمريكي كشف عن (قلق 56% من سلسلة الهجمات العشوائية التي ينفذها مواطنون، فيما رأى 32% أنهم قلقون من الإرهاب الخارجي لأشخاص غير أمريكيين، وأبدى 13% تخوفهم من الإرهاب ذي الدوافع السياسية أو الدينية الذي يرتكبه أمريكيون). في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس أوباما أن الجناة (غير معروفين، إذ ليس واضحاً ما إذا كانوا محليين أو أجانب أو أشخاصاً ذوي نية سيئة).

ورغم بشاعة الأحداث التي شهدتها مدن مختلفة في ولايات أمريكية متباعدة جغرافياً، فإن حدوثها في أيام متقاربة يدفع ويشجع على التساؤل المشروع حول دوافعها، ومن يقف خلفها، أهم مواطنون أو مقيمون أجانب في الولايات المتحدة. وإذ نتفق مع الرأي العام الذي يدين هذه التفجيرات والرسائل الملغومة الموجهة إلى المسؤولين الأمريكيين، فإنه لابد من توجيه الاهتمام إلى البيئة التي أفرزت وأنتجت هذه الأعمال على بشاعتها، والمسؤولين عن إشاعتها وتعميمها، لا في الولايات المتحدة وحدها، وإنما في العالم بأسره. وبانتظار نتائج تحقيقات ال(إف. بي. أي) الهادفة إلى كشف هوية المسؤولين عن هذه الأعمال، وتحديد الجهة المسؤولة عنها، فإنه لابد من الإشارة إلى مسؤولية الحكومات والجهات التي مازالت ترعى الإرهاب وتدعم مجموعاته وتنظيماته في أماكن متعددة من عالمنا، وتتعاطى مع هذه الظاهرة بانتقائية مطلقة وازدواجية فاقعة خدمة لأهدافها، دون أن تلحظ على الأقل شيوع هذه الظاهرة ومخاطرها وطنياً ودولياً.

فهذه التفجيرات تتزامن مع العديد من الأحداث الدولية الأخرى، التي تؤكد الانتقائية والازدواجية من جهة، وتستخدمها لخدمة أهداف خاصة بها من جهة أخرى. وأبرزها محاربة الولايات المتحدة للقاعدة وتفرعاتها في أفغانستان، ومنطقة الحدود الباكستانية – الأفغانية، وتشن هجمات بواسطة طائرات دون طيار في مناطق أخرى كاليمن مثلاً، وتحارب فيه فرنسا المجموعات الأصولية المتطرفة في شمال مالي، دونما قرار دولي واضح بشأنها، وتعمل الدولتان ومعهما تحالف دولي وإقليمي واسع، على دعم المجموعات الإرهابية في سورية وإسنادها وتجهيزها على امتداد أكثر من عامين من الأزمة السورية.

وتستمر القيادتان الأمريكية والفرنسية وحلفاؤهما، علناً ورسمياً، في مواصلة سياستهما هذه، الهادفة إلى تجميع المجموعات المسلحة الإرهابية وتوحيدها، بغض النظر عن تصنيف بعضها أمريكياً في لائحة الإرهاب، وتقديم الدعم لها تحت لافتات مختلفة! (الدعم الأخلاقي)، الأسلحة (غير الفتاكة)، الدعم المادي الإنساني.. إلخ، وآخرها تقديم عشرات ملايين الدولارات- حسب ما أعلنه جون كيري وزير الخارجية الأمريكية، في مؤتمر (أصدقاء سورية) في إسطنبول قبل أيام، إلى (المعارضات) السورية وإلى المجموعات المسلحة (المعتدلة)!

هذه السياسة الأمريكية – الغربية المزدوجة، الرسمية والمعلنة، في كيفية التعاطي مع الإرهاب الدولي والوطني، وتتعارض مع توجهات وإرادة غالبية (المجتمع الدولي) والرأي العام العالمي، وتساهم في توتير شبكة العلاقات الدولية، وخاصة كيفية التعامل مع الأزمة السورية منذ أكثر من عامين، تساهم في استمرارها وتعقيدها، رغم تبعاتها الكارثية سورياً وإقليمياً ودولياً ، وهي لم تتعظ بعد من تداعيات هذه السياسة ومخاطرها، وتعتقد أنها بمنأى عن تبعاتها، وأنه بالإمكان التعامل المجزوء معها في كل منطقة على حدة. وفي الوقت الذي أدانت فيه سورية مبكراً اعتداءات 11 أيلول الإرهابية، أكدت القيادة السياسية السورية والقوى والأحزاب الوطنية والتقدمية السورية الحريصة على حل الأزمة السورية الحالية عبر الحوار والحل السياسي، مخاطر هذا التعامل الأمريكي – الغربي، مع الأزمة السورية، وأشارت إلى حتمية اتساعه ليشمل المنطقة من جهة، وإلى مخاطر شيوع مناخ الإرهاب عالمياً من جهة ثانية، التي تؤكد أزمتها مشاركة إرهابيين أجانب سيعودون قريباً إلى بلدانهم مزودين بخبرة قتالية وإرهابية أيضاً. لقد وقفت سورية مبكراً ضد الإرهاب بكل أنواعه وأشكاله وطنياً ودولياً، ودعت إلى اتفاق دولي على ضرورة تعريفه أولاً، وكيفية مواجهته ثانياً. وتثبت الأزمة السورية، كذلك الأحداث التي شهدتها، وماتزال العديد من الدول الغربية والولايات المتحدة وغيرها أيضاً، أن مواجهة هذه الظاهرة الخطرة باتت مسؤولية دولية على الجميع التعامل معها بجدية بعيداً عن الانتقائية والمصلحة الضيقة أيضاً.

العدد 1194 - 15/04/2026