ذاك العاصي
اقترف ذنباً لن أغفره له، لن أغفر أبداً.
لن أتقدم خطوةً باتجاه مكاني العفن، أو أعيد له غفوته.
ذاك العاصي: هأنذا أختطف الحلم منه، وأقضي معه ماأقضيه، كي يتلوى بحرقة، لأني سرقت منه صباه وحلمه.
– أطبقت جفنيها غاضبة، تحمل بين كفيها دماءه، وتبصقها ألماً على أرض عطشى، فتزداد عطشاً وحرقة تلف حزنها وأنينها بعويل يزداد اتساعاً لكل ماعمرته داخل كهف غربتها التي امتدت حتى ألحقت بها وبشموخها انكساراً لفظت معه آخر صوت كان يجب ألاّ يختنق.
لم يبارحها الشوق للبقاء والنظر من عرشها الذي لم ينافسها عليه أحد… ولم تك يوماً ممن يطردون الحنين بحنين آخر.
هي بصمة على صك الحياة، وصك يسلم ببصمة أخرى لحياة مازالت تنتظر ولادة ما.
وعلى كتف العاصي وقفت ترنو إلى ألواح سود تناثرت هباب فحم على وجهها، كان اقترابها منها كاقتراب الشيطان من الماء.. كان اقترابها منها زنديق يعبث بطهارة المُلْك ويغتصب أرضاً رغماً عنها، ويدفن أرومة الشر فيها، فتنجب زنادقة تختبئ خلف الأشجار لتغتال وتدهس آخر لحظة تنظر إلينا فيها. وهي مازالت تعتلي كتفه، تدهش لكل حركة حوّلها السكون إلى غليان تفور معه مياهها ويفور ويغلي الوادي على الأقدام التي سحقت خضرته عن عمد دون رحمة، واختصرت خضرته بكل أنانية.
صوتها مازال يعشش في ذاكرتنا ليل نهار، رقرقة مياهها تعانق الأنين المكتوم خوفاً من عيون انتشرت حولها فكانت ترتبك في كل رحلة تغوص فيها مياه العاصي لتعتلي وتطول المدى بصوتها وأنينها، ومازال صوت التعب يحوم حولها وحول أخواتها.
ساعة يشتعل وساعة ينطفئ لكنها ملَّت، حقاً ملَّت من ضياعها بين النهر والوادي ضاعت.
هي حالتها الجديدة التي نُقِشَتْ على دولابها الخشبي.. دونتها ربما تستطيع أن تتخلص من تعب خمولتها تسأل نفسها، ما الذي ألمَّ بك أيها الغراف؟ أي لعنة حلت على خشبك، وحتى الآن لم تجدي تعويذة تنجيك منها؟
كنت تأخذين الدنيا بيديك، وتطرحينها في مكان آخر حياة جديدة.
من اغتال ولاءك للعاصي ومياهه؟
وعلى وقع أقدامهم كانت تنتظرهم، تنتظر تلك الأيدي القاسية التي أزعجت خشبها بقساوتها وحقدها، لقد فكوا جسدها قطعة قطعة، شتتوها، حتى بعض من جسدها تناثر وسقط إلى قاع العاصي، وهناك ضاع في عمقه، خشية من أن يحرق قلبك أكثر.
ولم تعد تخشى شيئاً، كل ماحلمت به من سنين ضاع، ولم تعد تخاف غربتها الجديدة ولا صوتها المخنوق، ولا أنينها المفقود، ولا الأحياء من حولها. وهنا بدأت تتكرر أسئلة ما زالت معلقة في الفضاء، أسئلة كانت قد نثرتها قبل رحيلها، أسئلة لاجواب عنها بعد أن قررت الامتحان، وغادرت على وسادة رومانية وشَّاها الزمن بسهم جميل اسمه زمن ال.. حتى لا يطولها أي حقد من أحقاد زمن مقهور سلفاً.
غادرت بعويلها وأنينها ولم تترك منهما أثراً لها.
الفجر تتسع عيناه مع اقترابه من الحقول، لكن ذهوله فاجأ الجميع، ولم يستطع إخبارهم بكل ما حصل، لأنها كانت تتربع بكل بهاء، عادت إلى مكانها مستغربة من الفجر الذي بدا كمن صُفِعَ على خديه، لكنها لم تعره انتباهاً واهتماماً، فقد غمرت الأرض التي اشتاقتها بعشقها، ولم تدع مجالاً لأحد أن يسألها، أين كنت؟ فقد كانت تقف بشموخ وتعالٍ وصوتها يعلو ويعلويعانق نفير الكلمات التي ارتمت على ضفتك أيها العاصي، ويجيب عن كل الأسئلة، أسئلتنا معاً.
التوقيع: ناعورة حماة