سبعة عقود على العلاقات الروسية المصرية

فتحت زيارة وزيري الدفاع والخارجية الروسيين نافذة الذاكرة التاريخية، إلى بداية العلاقات في القرن التاسع عشر، عندما عيَّنت روسيا قنصلاً في الإسكندرية. ونافذة ثانية حينما قررت الحكومة المصرية إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي (السابق) في 26 آب 1943 .

وارتفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارة في 22 آذار 1954. واتخذت الحكومة السوفيتية آنذاك مواقف الدعم والتأييد السياسي والدبلوماسي لمصر في المحافل الدولية، من التأييد لتأميم قناة السويس (تموز 1956). والموقف التاريخي ضد العدوان الثلاثي على مصر. وتقديم المعونات الفنية والمالية لبناء السد العالي، الذي أصبح رمزاً للصداقة بين البلدين، وأحد أهم مرتكزات التطور الصناعي في مصر. وقد أثمرت الزيارة التاريخية للرئيس جمال عبد الناصر في أيلول ،1964 في إقامة مجموعة مشروعات هندسية وصناعية وتوليد الطاقة الكهربائية. واتخذت الحكومة السوفيتية بعد عدوان ال 67 قراراً بإرسال ما يقارب عشرة آلاف خبير ومستشار عسكري. وتقديم مساندة عسكرية كبيرة في حرب الاستنزاف، وبناء شبكة دفاع جوي ودعم سياسي دولي. وكانت حرب تشرين التحريرية ،1973 أحد المفاصل الانتقالية في العلاقات بين الدولتين، فقد بدأت بعد هذا التاريخ الخطوات التراجعية وفتور العلاقات إلى أدنى نسبة، رغم الدعم الكبير الذي قدمته بلد أكتوبر إلى البلدان النامية وحركات التحرر في العالم.

لم يكن طريق علاقات الصداقة مستقيماً ومعبّداً، كما يريده الشعب المصري والكادحون المصريون والقوى الوطنية والتقدمية المصرية، بل برزت منحنيات وأكواع حادة نسفت بناء الصداقة الشامخ، ووصلت إلى مرحلة الفتور والتدهور. وقد (ألغيت معاهدة الصداقة والتعاون عام 1972  وقطعت العلاقات الدبلوماسية عام 1981).

وعاد الخط البياني بين روسيا ومصر للصعود، بعد فتور في فترتي حكم (السادات ومبارك). أما التغيرات الكبرى على جميع الصّعد السياسية والاقتصادية والعسكرية، فحدثت مع وصول بوتين إلى السلطة في آذار ،2000 وأخذت (ثأرها) واستعادت بريقها الماضي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

وفي ظلّ تفاقم الوضع الداخلي في مصر، والتبدلات في العلاقات المصرية – الأمريكية، والمصرية – التركية وبعض الدول العربية، ورحيل نظام الإخوان المسلمين، وتفعيل الشارع الجماهيري المصري ودور القوى الديمقراطية الشبابية والأحزاب التقدمية ومنظمات المجتمع المدني العمالية والفلاحية والطلابية والمثقفين المصريين في القيام بثورتين، نقلتا مصر إلى مرحلة جديدة، باعتبار هذه القوى التي تشكل أدوات التغيير، دفعت مصر خطوات نحو الأفضل، وفتحت باب العلاقات من جديد مع روسيا الاتحادية. وتوجتها بزيارة وزيري الخارجية والدفاع، اللذين بحثا التعاون العسكري في مجال التسليح الحري، وتزويد مصر بصواريخ بعيدة المدى، وعقد صفقة أسلحة بملياري دولار. وبدأ التنفيذ الفوري في وصول الطرَّاد الصاروخي (فارياغ) إلى ميناء الإسكندرية. وصرَّح الناطق باسم الخارجية المصرية، أن الزيارة تحمل رسالة سياسية مهمة جداً إلى العالم الخارجي. وقال إن بلاده تتطلع إلى تعميق التعاون بين البلدين في كل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وفي مكافحة الإرهاب والقرصنة .. وغيرها الكثير.

إن روسيا التي كبحت دور الولايات المتحدة في المنطقة من النواحي  السياسية والعسكرية كأول دولة إمبريالية في العالم، استطاعت أن تنال ثقة الشعوب العربية، وإبعاد شبح العدوان الإمبريالي عن سورية والمنطقة وأكدت مصداقيتها. وتسعى في الوقت الحاضر كما كانت في الماضي إلى إعادة دورها العربي والإقليمي والدولي، بالإسهام الفعال في إيجاد الحل السياسي وإنجاح عقد مؤتمر جنيف2 .

وكشفت الولايات المتحدة عن موقفها السلبي تجاه تحسن العلاقات الروسية المصرية، وازداد انزعاج الإدارة الأمريكية وصقور إسرائيل والحلفاء (الفرنسيين والسعوديين) خاصة، من النتائج الإيجابية لهذه الزيارة. وقد أصيب هؤلاء ب(المغص السياسي  والارتباك المعوي وسوء هضم ما يجري في المنطقة والتلبّك الفكري). ولم يكن موقف لافروف مفاجئاً، فقد أكّد مواقف روسيا منذ عامين بأن الجامعة العربية (تتخذ قرارات مسبقة). وقال: إن روسيا لن تتدخل في شؤون الدول الأخرى، وأنها تحترم سيادة الدولة المصرية، ومستعدة لمساعدتها في كل المجالات، وهي شريك أساسي في منطقة الشرق الأوسط، ولروسيا علاقات عميقة معها.

العدد 1194 - 15/04/2026