الذكرى الـ 96 لثورة أكتوبر… التجربة والدروس

مرت قبل أيام قليلة الذكرى الـ96 لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، بوصفها أول ثورة للعمال والفلاحين والمثقفين الثوريين، استلمت السلطة في بلاد شاسعة متخلفة اقتصادياً واجتماعياً، مقارنة بالدول الصناعية الأوربية آنذاك، واستطاعت، بقيادة حزبها وأعضائه وحكمة برامجها السياسية والتنموية المتتابعة وصحتها، أن تؤسس أول دولة اشتراكية في القرن العشرين، وأن تصل خلال عقود قليلة إلى مصاف الدول الأولى المتطورة في العالم، وأن تشكل أحد القطبين الرئيسيين في العالم، إن لم نقل الطرف الأكثر تأثيراً.

لم تأت ثورة أكتوبر (في 24-25 تشرين الأول عام 1917 حسب التوقيت الروسي القديم، وفي 7 تشرين الثاني عام 1917 حسب التوقيت الجديد)، بمنأى عن التطورات والمتغيرات التي شهدتها روسيا القيصرية في العديد من محطاتها الهامة.. إذ شكلت امتداداً موضوعياً للعديد من الاحتجاجات والهبات الشعبية، بدءاً من الثورة البرجوازية الديمقراطية عام ،1905 التي قال عنها فلاديمير أيلتش لينين : (في عصر الإمبريالية، إن مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية تقوم بها البروليتاريا).. مروراً بثورة شباط البرجوازية عام ،1917 التي مهدت وسرعت في اندلاع ثورة أكتوبر العظمى.

لينين وقيادة حزبه (حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلاشفة) أي الأغلبية)، ونتيجة انفصالهم عن (المناشفة) أي الأقلية، في كونغرس الحزب في براغ عام ،1912 أعلنوا قبيل الثورة الاشتراكية أنه (يوجد حزب قادر على استلام السلطة). وأعلن لينين لاحقاً أن (الثورة التي تحدث عنها البلاشفة قد تحققت).

واجهت ثورة أكتوبر صعوبات عديدة في سياق ترسيخ سلطتها، أبرزها الحرب الأهلية مع القوى المضادة للثورة، كذلك المؤامرات الخارجية، وبخاصة الألمانية، خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، التي أرست لعقد صلح (برست) الظالم عام 1918 (الذي وصفه لينين بالسافل، الذي لابد منه) للحفاظ على الدولة السوفييتية الوليدة.. كذلك الصراعات الحزبية المختلفة ، إضافة إلى خلافات الحزب مع الاشتراكيين الثوريين اليساريين، الذين انسحبوا من حكومة الثورة، وبقوا في مجلس السوفيتيات، ومحاولاتهم الفاشلة للانقلاب على الثورة وحزبها.

لم يكن مسار انتصار ثورة أكتوبر وتجسيدها طريقاً سهلاً ومعبداً، بل وصفه لينين بأنه ليس طريقاً مستقيماً كشارع (نيفسكي) في مدينة لينينغراد، وتجلى ذلك في السياسات الاقتصادية – الاجتماعية، وبخاصة السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب). كذلك مواجهة التحريفية والانتهازية في صفوف الحزب والقوى المناهضة لتوجهاته، فضلاً عن تصدي الثورة للمؤامرات الخارجية العديدة. ومع نجاح سياسة (البلاشفة)، وانتقال الثورة نحو مهماتها، عبر إنجاز مهمات التحول الاقتصادي – الاجتماعي الناجعة، انضمت أقاليم روسيا وجمهوريات روسيا القيصرية تباعاً إلى الثورة وصولاً إلى إعلان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. واستطاعت الثورة الفتية الانتقال وفق برنامجها الاقتصادي وخلال فترة قصيرة إلى دولة صناعية متطورة وقوية، وصولاً إلى دورها الحاسم والتاريخي في هزيمة الفاشية الهتلرية وتحرير العالم، وبخاصة دول أوربا الشرقية (قدم الاتحاد السوفييتي أكثر من 27 مليون مواطن قرباناً للدفاع عن الوطن الاشتراكي والبشرية جمعاء)، ومساعدة شعوب دول أوربا الشرقية في الانعتاق من نير الفاشية وفي إعادة بناء اقتصادها وتعزيز استقلالها وصولاً إلى إقامة (المنظومة الاشتراكية) في شرق أوربا. وترافق مع ازدياد التأثير السوفييتي العالمي في مختلف قارات عالمنا، وبضمنها العالم العربي، وقيام أنظمة وطنية وديمقراطية تجذر بعضها تدريجياً نحو التحول الاشتراكي وتحالفاتها مع الاتحاد السوفييتي وقوى التقدم والعدالة الاجتماعية.

ومثلما ساهم الاتحاد السوفييتي في إقامة توازن عالمي استراتيجي، ساهم أيضاً في دعم قوى التحرر والاستقلال الوطني والخلاص من نير التبعية والارتهان للغرب، وصولاً إلى إقامة الثنائية القطبية التي آمنت عالماً خالياً من الحروب الاستعمارية طوال نحو نصف قرن.

هذه الإنجازات الضخمة والتاريخية للاتحاد السوفييتي، بوصفه أول دولة للكادحين، عانت ولأسباب عديدة (تحتاج إلى بحث منفصل وأوسع، قدمت العديد من القوى والأحزاب اليسارية دراسات حولها) في سنوات تفككه عام 1990-1991 وما بعدها.. إذ إن مسألة انهيار الاتحاد السوفييتي بعد نحو سبعين عاماً من البناء الاشتراكي، طرح ومايزال العديد من المعضلات والتساؤلات حول النظرية التي ارتكز عليها مشروع البناء الاشتراكي، وينتقد العديد من مسلماته، وصولاً إلى أسباب انهياره، فإنه (نهاية التاريخ لـ(المنظر) فوكوياما الأمريكي الجنسية وذو الأصول اليابانية).

إذ تثبت الوقائع حالياً أن انهيار الاتحاد السوفييتي ليس نهاية التاريخ، ولا تعميقاً لاقتصاد السوق الحر، كصيغة نهائية لطبيعة السلطة ونهجها، بل هو قفزة إلى الوراء في مسار التاريخ، وأن إمكانية القفزات الكبيرة إلى الوراء في مسار التاريخ، تقع في صلب الديالكتيك الماركسي ومفهومه لحركة التاريخ الذي لم ولن يكن مساره مستقيماً ومتسقاً، ولاسائراً دوماً إلى الأمام. فالحديث عن الصراع بين نظامين عالميين متناقضين، هي إحدى أبرز الثغرات الفكرية في الاشتراكية المعاصرة، التي زعمت أن (المباراة بينهما هي العامل الحاسم في انتصار الاشتراكية دولياً، إنما الواقع، وكما قدمه كارل ماركس، هو حصيلة تفاقم التناقضات المحتدمة في المجتمعات، وبخاصة الرأسمالية منها، فالاتحاد السوفييتي انطلق في هذا التنافس – الصراع من مستوى من التطور الاقتصادي والمادي أكثر تخلفاً من الدول الصناعية الكبرى الرأسمالية، التي أنجزت الثورة الصناعية البرجوازية، وأن النهب الاستعماري للعالم النامي ساعد الدول الرأسمالية في الوقت الذي قدم فيه الاتحاد السوفييتي مساعدات هائلة تنموية واقتصادية لهذه الدول، وبضمنها دول (الاشتراكية القائمة بالفعل) على حساب برامج تطوره الاقتصادي – الاجتماعي.

وعلى الرغم من إنجازات الاتحاد السوفييتي الكبرى والتاريخية على طريق الانتقال إلى الاشتراكية، لم يكن بعد قد أصبح مجتمعاً اشتراكياً (قائماً بالفعل)، فالدمار الشديد الذي أحدثته الحرب الأهلية (في سنوات بناء الاتحاد السوفييتي الأولى)، والتخلف الشديد في مستوى تطور القوى المنتجة، والتطويق والحصار الذي فرضته المراكز الإمبريالية على الجمهورية السوفييتية الفتية، وما سببته من اقتطاع كبير من فائض عمل الكادحين على حساب تطوير التنمية الاقتصادية، حكمت مسيرة الانتقال إلى الاشتراكية بتناقضات عديدة لا مفر منها، وهذه بمجموعها وأسباب أخرى عديدة، أدت إلى نشوء البيروقراطية كشريحة اجتماعية انبثقت من صفوف الطبقة الكادحة واحتكرت السلطة بديلاً عنها في الدولة ومجتمع الانتقال.. وعكست نفسها على أطوار الانتقال التاريخية من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وعملت على تأبيد هيمنتها وتكريس امتيازاتها، وفقدت تدريجياً مهمتها التقدمية، بعد أن أنجزت مهمتها في السنوات الأولى للدولة، وبات النظام الشمولي يشكل عبئاً على المجتمع، وقيداً يعرقل ويكبح تطوره، وتفاقمت السمات الطفيلية لهذه الشريحة البيروقراطية في الحزب والمجتمع، وتفاقمت أزمتها وتناقضاتها، وصولاً إلى الانفجار وإطلاق عملية مضادة للارتداد إلى الرأسمالية. لم تكن الردة والانهيار حتمياً، بل على العكس كان يتناقض مع الضرورات الموضوعية التي يتطلبها التطور المستمر للمجتمع ودفع مسيرته إلى الأمام، وإن الديالكتيك يعلّمنا أن هذه الضرورات لا تفرض نفسها في الواقع، ما لم تقترن بوعي الطبقة الثورية وحزبها التي حجبها النظام الشمولي، وأن هذه التجربة الغنية لا يفترض محاكمتها باعتبارها نموذجاً يحتذى به، بل في وصف لينين لها بأنها (محاولة وحيدة الجانب تنطوي على العديد من الثغرات والتناقضات، ولكنها محاولة لا مناص من أن تنطلق، ولا خيار أمامها سوى متابعة شق طريقها عبر التناقضات، حتى تتضافر مع محاولات أخرى لتبلغ الاشتراكية الكاملة، بالتعاون الثوري بين بروليتاريي جميع البلدان)، وإن التحليل العلمي للتجربة السوفييتية، يؤكد أن نظاماً يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج والتخطيط المركزي الديمقراطي، يجب أن يترافق مع ديمقراطية عمالية واسعة في تكوين وممارسة السلطة السياسية، وديمقراطية عميقة في علاقات الإنتاج.

نشير هنا باختصار شديد إلى عناوين التجربة السوفييتية الهامة، وإلى ارتداداتها المؤقتة، وخاصة في السنوات الأولى لما بعد الانهيار، من بروز الخطاب الليبرالي والتحريفية في العديد من الأحزاب اليسارية، وبضمنها بعض الأحزاب الشيوعية التي أثبتت الوقائع عدم صحتها وبطلانها، وأن المتغيرات ما بعد النهوض الروسي الوطني الجديد، وعودة الدفء والحرارة في العلاقة بين الأحزاب اليسارية والعمالية، وآخرها مؤتمر الأحزاب الشيوعية الـ15 في البرتغال، كذلك استفحال أزمات الدول الرأسمالية المتطورة المالية والاقتصادية، والإشكاليات العديدة التي يعانيها عالمنا، والتي تؤكد أن الرأسمالية ليست نهاية التاريخ، وأن تجربة ثورة أكتوبر والاتحاد السوفييتي بإنجازاته وتفككه، تقدم دروساً للكادحين في العالم وأحزابهم ولحركات التحرر والاستقلال الوطني الناجز.. وهذا هو الأهم برأينا.

العدد 1194 - 15/04/2026