الحروب توقظ الوحوش الكامنة

منذ ظهور مفهوم الطبيعة البشرية لتمييز الإنسان عن غيره من عناصر الوجود، ظهر إلى جانبه مفهوم ربما يعتبر الأقدم تاريخياً، يرسم الصورة المميزة لهذا الكائن، وهذه الصورة التي رُسمت جاءت عاكسة لسلبية الطبيعة البشرية، إذ جعلت الإنسان في رتبة أقل من الحيوان!، بافتراضها أنه مفطور على نزعات حيوانية غرائزية مستوطنة في داخله، تتحين الفرص السانحة للتعبير عن ذاتها، وهي واحدة عند بني البشر، تتمثل بالأنانية وحب السيطرة والعدوان التي لا يضارعه فيها كائن آخر. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يفعل الشر من أجل الشر، أما الحيوان فلا يقتل إلا عن جوع أو في حالة الدفاع عن النفس.

وقد بلغ الأمر بتوماس هوبز الذي كان تشاؤمياً في نظرته إلى لإنسان أن قال:

(الإنسان للإنسان ذئب، والكل في حرب ضد الكل، والواحد في حرب ضد المجموع)

إلا أن هناك من رأى إجحاف هذه النظرة بالنسبة لبني البشر، وعلى رأس هؤلاء أبرهام ماسلو الذي أسس المدرسة الإنسانية في علم النفس، والذي رأى أن الطبيعة الجوهرية خيِّرة أكثر منها شريرة، وأن التطور يحدث من داخل بنية الإنسان بتوجه داخلي يستهدف تحويل هذه الطبيعة من موجود ممكن إلى موجود واقعي، أي إخراجها من عالم الإمكان إلى عالم الموجودات الفعلية. وبيَّن أن العيش وفق مقتضيات الطبيعة الإنسانية هو تصرف حكيم يفضي إلى السلامة والسعادة والصحة النفسية، أما إعاقتها أو إحباطها فيؤدي إلى العصاب. وقد وافقه على هذا الرأي أصحاب النظرة السالبة، إذ اعترفوا بقابلية التهذيب للنزعات الوحشية وإمكانية ضبطها وانصياعها لأحكام العقل، وبذلك تكتسب صفة الإنسانية الإيجابية. إلا أنهم عادوا إلى تأكيد اعتقادهم السلبي، باعتبارهم أن النجاح النسبي للبشرية في ضبط هذه الغرائز المدمرة أو توجيهها أو إعلائها، بوسائل الحضارة والمدنية التي تشمل نظماً دينية وأخلاقية واجتماعية متعددة ومتنوعة، لا يلغي تأثيراتها نهائياً ولا يقي من إمكان الارتداد إليها، لأنها فطرية وراسخة، ويعتقدون أن الحروب تخلق بيئة خصبة مواتية ليقظة هذه الوحشية النائمة والمغطاة بقشرة مما صنعته المدنية والثقافة من نتاج الأجيال المتعاقبة، والتي ثبت أنها واهية.

ونحن نرى أن الأدنى إلى الصواب أن الإنسان يولد مادة خاماً (بيولوجية – سيكولوجية – فكرية) وهذه المادة مزودة بالحواس والمدركات التي تمكّنها من الاكتساب بأنواعه المختلفة لتشكيل نواة الشخصية، التي تتابع فيما بعد تطورها التلقائي المرتكز على البنية المشكلة وفقها. فالحالة الطبيعية محايدة قابلة للتشكيل الإيجابي والسلبي، وهذا التشكيل يقوم به بشكل رئيسي مؤسسات التنشئة الاجتماعية والثقافية التي تتصدرها الأسرة عموماً والوالدان بشكل خاص، ثم تتولاها المدرسة ويوجهها الأصدقاء، وتكتسب تأثيراً عميقاً فيما بعد من المحيط، وفي النهاية يختمها الإنسان نفسه. وعندئذ نصل إلى ماهية البرمجة الإنسانية، ونستطيع تحديد مدى إيجابيتها أم سلبيتها، ومما يطمئن أن هذه البرمجة قابلة للتعديل وإدخال التغييرات ما دامت في نطاق الوعي والإدراك. ونظراً لأن 90% من القيم تتشكل لدى الإنسان قبل سن السابعة – كما أشار إلى ذلك علماء التربية – فإن هذا يعكس مدى خطورة مرحلة الطفولة وخطورة الدور الذي يلعبه الوالدان في رفد المجتمع بعناصر بناء أو معاول تدمير. وهنا يظهر الأثر الجلي للعمل الذي يقوم به الوعي الزوجي والأسري، الذي سبق لنا عنه الحديث.

العدد 1188 - 25/02/2026