بناء الدولة الوطنية لا يتم إلا على أساس ديمقراطي واجتماعي

بتاريخ 11/11/2013 أقامت قيادة فرع الجامعة لحزب البعث العربي الاشتراكي على مدرج جامعة دمشق ندوة ثقافية أدارها الدكتور عابد فضلية، وألقى فيها كل من الرفيق د. حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب، والرفيق ماجد شدود الأستاذ في جامعة دمشق، والسيدة مروة إيتوني الأمين العام لحزب الكتلة الوطنية، حضرها جمع غفير من أساتذة الجامعة وطلابها ومسؤولون اقتصاديون وإداريون وسياسيون.

وقد ألقى الرفيق حنين نمر، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد، مداخلة تتعلق بالأزمة السورية وتداعياتها، جاء فيها:

أيها الرفاق الأعزاء؛

أحييكم من كل قلبي، وأشكر لقيادة فرع جامعة دمشق لحزب البعث العربي الاشتراكي تنظيمها هذا اللقاء الجبهوي والثقافي والسياسي، ونتمنى أن تتكرر هذه المبادرات الحوارية، لأننا اليوم قبل الغد نحتاج إليها، نحتاج إلى أن تخرج إلى النور كلُّ الآراء الوطنية، مهما تباينت، وألا نخشى من مقارعه الحجة بالحجة، والرأي بالرأي، شرط أن يكون ذلك ضمن الإطار الوطني، فلا يمكن أن تكون الخيانة هي مجرد رأي، ولا يمكن أن يكون استدعاء التدخل الاستعماري مجرد وجهة نظر أيضاً.

إن المعركة الدائرة الآن ضد سورية وعليها، هي من أشرس المعارك التي شهدها العالم منذ القرن الفائت حتى الآن، لأنها حرب انخرطت فيها معظم الدول الأساسية، ولأنها تشعّبت وتعقدت وتركّبت، وأضحت معركة تدخل خارجي استعماري، ومعركة اقتصاد وثقافة في آن واحد، لكنها ليست مثالاً نادر الوقوع في البلدان النامية، إنما هي نموذج فاقع لكل الدول النامية التي تخوض صراعاً تاريخياً ضد الهيمنة الإمبريالية وضد الآثار الناجمة عن عهود الاحتلال، من تخلف متعدد الجوانب، ومن أنظمة عميلة مستبدة.

إن عنوان هذه المرحلة باختصار شديد هو معركة بناء الدولة الوطنية المعاصرة، أمّا سر هذه الشراسة الغربية في الهجوم على سورية، فهو رفضها لمنطق التبعية، وإصرارها على القرار الوطني المستقل. وإلى من يتذكر منكم أيها الرفاق الشباب، أن المؤامرات الغربية والرجعية العربية والتركية على سورية قد بدأت غداة إعلان استقلال سورية والجلاء في عام 1946. وسلسلة الانقلابات العسكرية التي جرت كان ظاهرها الأوضاع الداخلية، لكن عمقها كان التناقضات بين الدول الاستعمارية نفسها حول من يستحوذ على سورية، ولكنهم طوال الستين عاماً الماضية لم يستطيعوا أن يفرضوا علينا رئيس جمهورية واحداً أو نظاماً سياسياً واحداً مطواعاً للغرب، رغم كل الاعتداءات والتدخلات والمؤامرات التي حيكت ضد سورية.

إن بناء الدولة الوطنية التي هي عنوان معركتنا وهدفنا، يجتاز صعوبات وتحديات ضخمة، والخوض فيها يحتاج إلى وقت أطول، لكن المهم أن نعي هذه التحديات ونستفيد من دروس الماضي القريب والبعيد، لكي نلحق الهزيمة بهذه المؤامرة الرهيبة التي نتعرض لها، ونزيل كل السلبيات والأخطاء التي عشناها.

إن رؤيتنا لهذا الهدف تتلخص بمايلي:

1. الدولة هي أرقى شكل من أشكال تنظيم المجتمع بعد تطور القوى المنتجة وتفكك الروابط العشائرية والقبلية، والدولة ببناها التحتية ومؤسساتها هي عنصر الربط الأساسي للمجتمع، وهي القادرة على حشد الموارد وإنفاقها ضمن خطة مركزية. ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى معاهدة سايكس بيكو التي جزأت الوطن السوري إلى خمس دول، والمحاولات التي باءت بالفشل في محاولة تقسيم سورية الآن. إن تقسيم الدولة هي خطوة نحو إزالتها، ورأينا كم سعى الإرهابيون في بذر بذور انقسام سورية إلى دويلات، ولكنهم فشلو شرَّ فشل. وتروّج الآن أفكار فيها الاستخفاف بالسيادة الوطنية، باعتبار أن العالم أصبح قرية واحدة صغيرة ويجب أن يتحول إلى سوق واحدة تتخطى الحواجز، وبالتالي لاداعي لبقاء السيادة الوطنية في ظل العولمة الامبريالية. ونقول لكم أيها الشباب، ألا معنى لكل نضالاتنا كعرب ، أم كبعثيين أم شيوعيين أم وطنيين آخرين إذا لم نضع تناقضنا مع المشروع الامبريالي الإسرائيلي في مقام التناقض الرئيسي الأول، وأن نعتبر الحفاظ على مؤسسات الدولة وبُناها التحتية في المقام الأول أيضاً، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك، فلماذا يلجأ الإرهابيون التكفيريون في بلادنا إلى نسف البنى التحتية أول ما ينسفون؟ فضلاً عن القول إن مشروع الشرق الأوسط الكبير واستهداف مصادر القوة العربية الكامنة في جيوش كلِ من مصر وسورية والعراق هو تعبير عن الإمعان في تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم، والعودة بمشاريع الدولة الحديثة إلى عهود القبائل والعشائر.

2. إن الدولة، إن لم تقم على أساس التوزيع العادل للثروة، وعلى أساس العدالة الاجتماعية، فإنها تحمل بذور فشلها وسقوطها بنفسها. إن الغرب يريد بنا – نحن عرب- أن نبقى الموردين الأساسيين للمواد الأولية اللازمة لصناعته المتطورة، وسوقاً لتصريف منتجاته فيها وفق الأسعار والشروط التي تناسب مصالحه أولاً. إننا لا نضع الآن برنامجاً اشتراكياً، ولكن التجربة أثبتت أن الاقتصاد الحر يزيد الغني غنى والفقير فقراً. وإننا نريد اقتصاداً تعددياً يزدهر فيه القطاع الخاص الوطني المنتج ضمن خطة اقتصادية تنموية شاملة ومتوازنة، يلعب فيه القطاع العام الدور الرئيسي. إننا نريد أن نرى القطاعات الإنتاجية تزداد حصتها في تكوين الناتج المحلي الإجمالي، ولا نريد المزيد من المولات ومظاهر الاقتصاد الفقاعي.

3. إن الدولة، حتى ولو كانت وطنية وتقدمية، يجب أن تكون ديمقراطية في الوقت نفسه، فهذه عنصر أساسي في استقرار الدولة ونموها وتمتين وحدتها الداخلية في وجه الذين يريدون تقويض أركانها وإعاقة تحولها إلى دولة عصرية. لقد تحققت إنجازات كثيرة في العقود السابقة، ولكنها حملت معها أخطاءً كثيرة، فقد غلب عليها الطابع الأمني، وأصبح كل شيء يجب أن يمر عبر الأجهزة ، وأدت وحدانية السلطة إلى ضيق مجالات العمل السياسي، الأمر الذي ولّد نوعاً من الفراغ السياسي تمكّن الفكر الغيبي من إملائه، وشاهدنا في الأحداث الأخيرة أمثلة كثيرة على ذلك. لقد كان لدى الكثيرين اعتقاد خاطئ بأن هناك تناقضاً بين الاشتراكية والديمقراطية وتعدد الأحزاب، لكن ثبت العكس وإلا لما تغير مضمون المادة 8 من الدستور السابق، وحل محلها المجتمع الديمقراطي التعددي الذي نأمل بتعاوننا معاً أن نبنيه، شريطة أن نغيّر العقلية السائدة ونعزز عقلية المشاركة الحقيقية في الحكم .

مما سبق نخلص إلى القول إن التحرر الوطني لا يكتمل إلا ببناء الدولة، وبناء الدولة يحتاج إلى الديمقراطية، التي يجب أن يكون مضمونها تقدمياً وفي مصلحة أغلبية الشعب. وبكلمة، فإن الواجب يتطلب أن نحافظ على معادلة الدولة الوطنية، التقدمية، الديمقراطية، وبغياب أحد هذه العناصر تختلّ أهداف الأمة بكاملها.

 

أيها الرفاق!

أبرزت الأحداث الأخيرة الضرورة القصوى لأن نُدخل في صلب تفكيرنا مفاهيم غابت بعض الزمن، أو جاء من يستغلها لأغراض بعيدة عن حقيقتها، مثل مفاهيم المواطنة والعلمنة والدولة المدنية. إن جهداً كبيراً يجب أن تبذله الأحزاب والجمعيات الأهلية والمدنية في سبيل توطيد الفكر والنهج العلماني في حياتنا، لكي نحول دون تسرّب وتغلغل الفكر السلفي الظلامي والتكفيري، وتصحيح الوعي المزيف المتستر بالدين الحنيف الذي شوّه الكثير من العقول.

العدد 1194 - 15/04/2026