الأسعار… ترتفع بسرعة الصاروخ فلماذا تنخفض كالسلحفاة؟

(إنه الدولار).. هو الرد الذي كان يواجه المواطن، حين يسأل عن سبب ارتفاع سعر سلعة ما بين ساعة وأخرى.. وربما بين دقيقة وأخرى، فيبتلع أسئلته ويرضخ مجبراً على تلقّي صفعات هذا (الأخضر) اللعين وهو يقفز عالياً، تاركاً أجور المواطنين ودخولهم تتهاوى إلى الحضيض، في وقت كانت أجهزة الحكومة وأدواتها وسياساتها تجاري فيه اللاعبين والسماسرة في لعبة الأسواق والبورصات والعرض والطلب.

ها هو ذا الأخضر المتعالي يتدحرج في الأسواق البيضاء والسوداء، وها هي ذي التفسيرات والتوضيحات تتباين في أسباب هذا الحدث الكبير، أما أسعار البطاطا وعلبة السجائر وقطعة اللحم وحبة البندورة، فمازالت محلّقة، غير عابئة بهذه التفسيرات، واثقة من البقاء في الأعالي رغم أنف الجميع.

أما آن للحكومة أن تزيح عن كاهل الناس عبء هذا الأخضر اللعين، وتعترف بواقع تلمّسه الصغير والكبير في بلدنا الذي يعاني أبناؤه أفظع تداعيات الخنق والحصار والتدخل الخارجي المدعم بالمليارات.. والبوارج.. و(الجهاديين)؟ هل اقتنعت أجهزتنا الحكومية وأدواتها أن المسألة لا تتعلق هنا بعوامل اقتصادية، بل بسطوة فئات كانت سبباً في أزمتنا.. وستبقى الحكومة تعدُ بانخفاض الأسعار على مراحل، لكن الصعود كان لحظياً، والحكومة تتفاخر بتأثيرها في تدحرج الأخضر، لكنها مطالبة بالتحرك، بعد رفض المحتكرين والسماسرة الانصياع لقوانين اللعبة التي حملت المليارات إلى خزائنهم وحساباتهم المصرفية في الخارج، وحملت المعاناة لجماهيرنا الشعبية.

إنه السوق الحر المتوحش، الذي أفقر شعبنا قبل الأزمة، وعمّق جراحه خلالها، ويستعد الآن لقطف ثمار ما بعدها.

لقد كتبنا على صفحات (النور) أن إغضاب الجماهير في البلدان المعادية للإمبريالية والصهيونية، كان وسيبقى هدفاً تسعى إليه الرأسمالية العالمية وشركاؤها في الداخل، تمهيداً لإزاحة أنظمتها السياسية الوطنية.. لكن آذان البعض ممن سهّل وساعد، عن قصد أو دون قصد، في فرض اقتصاد السوق الحر على شعبنا، كانت من طين!

لم تعد ممارسات مستغلي أزمة الشعب السوري تصب في خانة اصطياد الفرص، بل أمست نهجاً منظماً، يساند من يسعى إلى أخذ سورية من الداخل، من باب الاقتصاد والاستهلاك والأسواق، وذلك بعد أن عجزوا عن أخذها من الخارج، عن طريق التدخل العسكري المباشر، فراح هؤلاء يضاربون بأسعار القطع الأجنبي، وتحولت البيوت والمكاتب إلى بورصات لبيع الدولار وشرائه، مستغلين اضطراب السياسة النقدية للحكومة.

هل تعلم الحكومة حجم الغضب الذي ينتاب المواطن، حين تجبره الحاجة على الخضوع لآليات السوق الحر وقوانينه المنفلتة من أي قيود، والمتروك بموجب تشريعات وقوانين صدرت في العقد الماضي، ل(عدالة) حزمة من المستوردين والتجار الكبار والسماسرة؟ وهل تدرك الحكومة مقدار خيبة المواطن، حين يتقزم أجره الحقيقي أمام الارتفاع المذهل لأسعار السلع الأساسية، والذي لا يتناسب مطلقاً مع ارتفاع سعر القطع الأجنبي؟!

إن أي جهد خارجي أو داخلي يصبّ في حل الأزمة السورية عبر الحلول السياسية، سيترك تأثيره الإيجابي على الصعيد الاقتصادي، انطلاقاً من علاقة السياسة بالاقتصاد، لذلك نعتقد أن تغير المناخ الدولي باتجاه تأييد المساعي السلمية لعقد جنيف 2 كان أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع سعر الليرة السورية، إضافة إلى تقدم الجيش السوري في العديد من المواقع، وفرض سيطرته على مناطق استراتيجية.. كذلك فإن الحد من نشاط السماسرة ومكاتب الصرف غير الشرعية، وتوقيف بعض المتلاعبين الكبار الأسواق السوداء، لعب دوراً في تقليص المضاربة على أسعار الدولار، مما أثار القلق لدى فئة واسعة من المقتدرين الذين وجدوا في المتاجرة بالعملة فرصة بديلة عن الاستثمار في القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية، بعد دخول اقتصادنا الوطني مرحلة الركود، مما دفعهم إلى بيع القطع الأجنبي تخوفاً من خسائر أكبر.. جميع هذه الأسباب أدت -حسب اعتقادنا- إلى هبوط سعر الدولار في السوق السورية، وهذه نتيجة منطقية لكنها ليست حاسمة بما فيه الكفاية.. فنحن نخشى هنا ألاعيب المتاجرين والسماسرة واستغلالهم، إذ قد يلجأ هؤلاء إلى تحمل خسائر مؤقتة من أجل تخفيض سعر الدولار، وإشاعة مناخ قلق للمتعاملين الآخرين يدفعهم إلى التخلي عن مقتنياتهم، والعودة بعد ذلك إلى الشراء وجني المكاسب الكبرى، وهذا ما حصل مع بدء ارتفاع أسعار القطع في بداية الأزمة السورية أكثر من مرة.

وما يدعم وجهة نظرنا هنا أن هبوط الدولار لم يكن لأسباب اقتصادية، فقطاعاتنا المنتجة مازالت متأثرة بحالة الركود، وتجارتنا الخارجية تمضي باتجاه واحد هو الاستيراد، واستثماراتنا الوطنية أصابها الشلل، أما التدفق النقدي الخارجي، فجاء فقط من الدول المعادية لسورية، وذهب فقط إلى دعم العصابات التفكيرية الجهادية ومساندتها.

ملامح استغلال المكاسب من هبوط الدولار بدأت في الأسواق مع صعوده التدريجي، ثم القفز بعد ذلك.. فمن 128 ليرة صعد خلال يومين إلى 144ليرة، ولا ندري ونحن ننهي تحرير هذا العدد من (النور) يوم الاثنين، أين سيصل بعد ذلك.. ما يهمنا في هذه المسألة انعكاس هبوط سعر الدولار على أسعار السلع الأساسية للمواطن، فلا يجوز هنا التساهل في مواجهة كبار التجار والمستوردين وباعة الجملة، والرضوخ لمبرراتهم التي يسوقونها لعدم تخفيض الأسعار، متذرعين بشرائهم لهذه السلع بالسعر المرتفع، فهم جنوا الأرباح الفلكية بعد ارتفاع الدولار، ومخازنهم مليئة بالمواد والسلع المشتراة بالسعر المخفض للدولار.

نطالب الحكومة بالتدخل السريع واستخدام جميع أدواتها النقدية والمالية والاقتصادية والرقابية، لإجبار أرباب السوق وكبار المستوردين والتجار وباعة الجملة على تخفيض الأسعار.. فلم يعد للجماهير الشعبية طاقة على تحمل جشع هؤلاء، ومن يحميهم ويشجعهم.

أما عودة الليرة السورية إلى سعرها العادل تجاه القطع  الأجنبي، وتراجع المضاربة في الأسواق السوداء، فمرهونة بوضع الأزمة السورية على سكة الحل عبر الطرق السياسية، وعودة قطاعات الإنتاج في اقتصادنا الوطني إلى نشاطها.

العدد 1140 - 22/01/2025