جنيف 2… ماهية العراقيل ومسألة التمثيل المزعوم
محطات عديدة ذات دلالة بالغة وهامة شهدتها الأيام القليلة الماضية، وأظهرت بمجموعها طبيعة العراقيل، كذلك الأدوات والأطراف التي أدت مرة أخرى إلى تأجيل جديد لمؤتمر جنيف ،2 خاصة بعد (التوافق) الدولي (روسيا، الولايات المتحدة، الأمم المتحدة)، المدعوم من الأطراف الدولية الأخرى (المنشغلة) بالأزمة السورية، على عقده أواخر شهر تشرين الثاني الجاري، وصولاً إلى تمديد أيام انعقاده (23-24/11).
وإذ أشاع هذا (التوافق) الدولي أجواء إيجابية بسبب ماهية الدول التي توصلت إليه، ووزنها وتأثيرها في العالم عموماً، وفي الأزمة السورية خصوصاً، فإن تأجيل انعقاده مرة ثانية، يكشف مجدداً الجهات المعطلة لعقد هذا المؤتمر، بوصفه خطوة أولى نحو الحل السياسي، وتالياً إغلاق هذا الملف.
فقد سبق لقاء جنيف الثلاثي الأخير (5/11) جولات واتصالات لأطراف، محلية ودولية، انعكست محصلتها على هذا اللقاء من جهة، وعلى الموعد المفترض لعقد جنيف 2 من جهة ثانية. وأعلن في ختامه الأخضر الإبراهيمي، المبعوث الدولي والممثل الخاص للأمم المتحدة لمعالجة الملف السوري، أن واقع (المعارضات) السورية، وبخاصة قوى (الائتلاف) ورموزه المتشرذمة والمختلفة في الموقف من جنيف 2 مشاركة وأهدافاً، تقف وراء تأجيل عقده: (المعارضة السورية تواجه أوقاتاً وهي تحاول التغلب عليها، وهناك خلافات داخلية بين أطرافها، وعليهم أن يتجهزوا، وهم غير جاهزين الآن). في الوقت الذي أعلن فيه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، المشارك في هذا اللقاء الثلاثي وإثر جولته في المنطقة ولقاءاته مع عدد من رموز (المعارضة) وأطرافاً محلية منشغلة في الأزمة السورية (السعودية وغيرها)، أن (المعارضة) السورية (غير مستعدة وغير جاهزة بعد للمشاركة في مؤتمر جنيف .2. إن تأجيله لبضعة أيام إنما يهدف إلى إنجاحه)!
وشن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هجوماً على (الائتلاف)، وحمّله مسؤولية تأجيل جنيف ،2 في مؤتمره الصحفي المشترك مع الأمين العام لمنظمة التعاون والأمن في أوربا لامبيرتو زينر: (إن الائتلاف المعارض لا يمكن أن يمثل في جنيف 2 كل أطياف المعارضة، ولا يحق له ذلك.. وهو لا يمثل الغالبية، ولا يمثل حالة جامعة.. الشروط التي يقدمها معروفة جيداً، وهي قبل كل شيء تحييد الرئيس السوري بشار الأسد من العملية السياسية). وتؤكد هذه التصريحات بمجموعها أن الائتلاف المعارض أمام خيارات صعبة.
ورغم التأييد الدولي، وإن بتباين ما طبعاً لمصالح واعتبارات مختلفة لعقد جنيف ،2 بوصفه الخيار السياسي والوحيد لحل الأزمة السورية، الذي أكدته تصريحات الكثير من المسؤولين في العالم، فإن الامتعاض بدا واضحاً في مواقف العديد من الأدوات الإقليمية، إلى درجة التباين والاختلاف مع هذا التوجه الدولي، وبخاصة السعودية. وهذا ما حاول كيري التخفيف منه، خلال زيارته الأخيرة للملكة، وتصريحات التهدئة التي أطلقها قبل وصوله العاصمة السعودية، واستثناء بندر بن سلطان (مسؤول الاستخبارات السعودية والمكلف بالملف السوري) من لقاءاته الرسمية التي اقتصرت على الملك عبدالله ووزير خارجيته الفيصل. كذلك مواقف وتصريحات رموز عديدة من قيادة (الائتلاف) الرافضة لجنيف ،2 ووضعها شروطاً مسبقة عناوينها التغيير الخارجي الإرادوي، بعد فشل خيار التدخل العسكري، والتفسير المتعمد المغلوط لوثيقة جنيف 1 في 30 حزيران العام الماضي، وتلخيصه برحيل الرئيس السوري بشار الأسد بوصفه شرطاً أساسياً لحضور جنيف ،2 في الوقت الذي أعلنت فيه قوى عديدة من المعارضة الوطنية تأييدها عقد جنيف،2 واستعدادها المشاركة في أعماله، وبخاصة (هيئة التنسيق وأطراف وطنية أخرى)، فضلاً عن أحزاب وقوى وطنية سورية مشاركة في السلطات التشريعية والتنفيذية السورية، أو غير مشاركة فيها أيضاً، وأكدتها وماتزال لقاءات موسكو للمعنيين الروس بالأزمة السورية والأطراف المعارضة الوطنية السورية أحزاباً ورموزاً وقوى.
وإذا كان العالم يدعو إلى عقد جنيف 2 ويعمل من أجل عقده رغم تأجيله مرات عديدة، و(تضغط) الولايات المتحدة على العديد من أدواتها وعلى أطراف في (الائتلاف)، فإن السؤال المنطقي يتجلى في خطأ الإقرار (الغربي) – الأمريكي – (الإقليمي) مبكراً بالائتلاف، بوصفه ممثلاً وحيداً للمعارضة.. وتجني هذه الأطراف والحالة السورية عموماً تبعاته. وإذا كان هذا (الائتلاف) يمثل طرفاً من أطراف المعارضة، وبخاصة الخارجية المرتبطة وغير الفاعلة والمؤثرة في الشارع السوري عملياً، فلماذا يحاول فرض رؤيته ومواقفه حول طبيعة الحل السياسي على قوى المعارضة الوطنية الأخرى، وعلى (العالم) أيضاً؟ كذلك شروطه المسبقة للحوار والحل السياسي التي تنسف عملية مؤتمر جنيف ،2 والتي تطرح منطقياً أيضاً السؤال: إذا كانت هناك شروط مسبقة للحوار، فما الغاية من الحوار؟ في الوقت الذي أعلنت فيه سورية قبولها المشاركة في جنيف 2 دون شروط مسبقة، واستبقته بالعديد من المبادرات والمراسيم الجمهورية والقرارات الحكومية: (تعديل الدستور والاستفتاء الشعبي حوله، حكومة انتقالية موسعة، انتخابات محلية، برلمانية، رئاسية.. إلخ).
فيما تطرح تصريحات الثلاثي الدولي (روسيا، الولايات المتحدة، الأمم المتحدة) حول أسباب تأجيل جنيف ،2 إضافة إلى مواقف وشروط رموز (الائتلاف)، تساؤلات حول التباينات في مواقف المعنيين من الإدارة الأمريكية بالأزمة السورية (كيري، ويندي شيرمان مساعدة وزير الخارجية، روبرت فورد السفير الأمريكي في سورية.. إلخ) من جهة، ومدى جديتهم وتأثيرهم، وحقيقة (الضغط) الأمريكي على (الائتلاف) وعلى الوكلاء والأدوات الصغيرة من جهة ثانية.. خاصة بعد أن تملص الائتلاف في اجتماعه الموسع الأخير في إسطنبول (8-9/11) من الإجابة على مسألة المشاركة في جنيف ،2 ورحّل القضية إلى الأمم المتحدة، وأظهر شروطاً جديدة، وإن كانت غير مباشرة.
هذا في الوقت الذي يشهد فيه العالم مجدداً، وقبله الشعب السوري بطبقاته وفئاته ورموزه الوطنية، من يعمل على مواصلة نزيف الدم السوري، وتخريب البنى التحتية للدولة السورية ومؤسساتها الوطنية والفردية، وإشاعة أجواء عدم الاستقرار والأمن، واستمرار مسلسل التفجيرات والاغتيالات، ومن يعمل على حل هذه الأزمة وتبعاتها وطنياً (شعباً وكياناً ودولة).
وهذا ما يفترض باللقاء الثلاثي (الروسي، الأمريكي، الأمم المتحدة) المخطط لعقده في 25 تشرين الثاني الجاري معالجته جدياً، والعمل على حله، عبر تحديد جديد ونهائي لموعد جنيف ،2 الذي يشكل تأجيله المتكرر عملياً، ربحاً صافياً لأعداء سورية لاغير.