الاستحقاق الانتخابي الرئاسي… مسألة تخص السوريين
تتواصل التطورات في سورية، على اختلافها وتنوعها، وتؤشر بمجموعها إلى التباطؤ غير المبرر، في عدم تحديد الجولة الثالثة لمؤتمر جنيف 2. ورغم قبول سورية المبكر وغير المشروط المشاركة في جولتي المؤتمر، وكان تمثيلها فيهما على مستوى رفيع، واضطرار قسم صغير من المعارضة إلى حضورهما، فإن هذا القسم مصرّ على الاستمرار في تجاهل وثيقة جنيف 1 (30 حزيران 2012)، وتسلسل بنودها، وفي الصدارة منها مكافحة الإرهاب، وتجفيف منابعه، ووقف التدخل الخارجي المعلن منها، بوصفها مقدمات ضرورية، لا بل حتمية، لمناقشة القضايا الأخرى الواردة في الوثيقة (رغم تحفظ سورية على العديد من بنودها، وعدم مشاركتها في اجتماعات هذه الوثيقة أيضاً).
إذ قبلت سورية بوثيقة جنيف، وكانت السباقة في تحديد وفدها الرسمي – الحكومي إلى المؤتمر، في الوقت الذي رفض فيه جزء من هذه (المعارضات) المرتبطة المؤتمر من حيث المبدأ، وامتنع جزء آخر عن المشاركة فيه، فيما اضطر قسم صغير منها إلى المشاركة فيه (مرغماً) أو (استجابة) لضغوط معروفة، بوصفه يمثل أطياف المعارضة جميعها.
كما تعاطت سورية بإيجابية مع جولتي المؤتمر، وقدمت العديد من المقترحات العملية، بهدف (حلحلة) الأزمة، وعقدها (المصطنعة)، مقابل تعنّت الطرف الأخير (الصغير)، ولم تنجّر لاستفزازيته اللادبلوماسية واللاسياسية أيضاً.. وصولاً إلى تناغمه مع اللغة الأمريكية ومداخلة كيري وما تمثله من أطراف أخرى مشاركة (شقيقة) أو (مناوئة).
وكانت سورية قد استبقت وثيقة جنيف باعتماد العديد من المراسيم والمبادرات الحكومية، بدءاً من تعديل الدستور (جرى الاستفتاء عليه في 26 شباط ،2012 أي قبل وثيقة جنيف، وينص على صلاحيات الرئيس (الحق في الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية، وتسري عليه أحكام المادة 88))، مروراً بمبادرة الرئيس الأسد حول تعديل العديد من القضايا المفصلية، وبضمنها الانتخابات البلدية والبرلمانية والرئاسية، انسجاماً والدستور المعدل.. كذلك انفتاحها على الحوار مع كل القوى والأطياف السورية الوطنية، إنما على أساس الحفاظ على السيادة الوطنية، ورفض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية، واحترام وثيقة جنيف، التي نصت على عدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، وأن حل الأزمة السورية سيكون سورياً وبقيادة سورية.
جديد الأزمة السورية السياسية يكمن في غياب كلمة الإرهاب من خطابي الإبراهيمي والأمين العام للأمم المتحدة، كذلك تجاهلهما للجماعات التكفيرية المسلحة أو حتى الإشارة إلى وجود مجموعات مسلحة صنفتها العديد من الدول، (نظرياً) على الأقل، بأنها من إفرازات القاعدة (داعش، النصرة، الجبهة الإسلامية.. إلخ)، وهي مدرجة أيضاً على قوائم الإرهاب في مجلس الأمن الدولي.
وإن الكثير من الدول التي قدم عشرات الألوف من مواطنيها إلى سورية للمشاركة في العمليات الجهادية – الإجرامية، يطرح الغالبية الكبيرة من وزراء الخارجية والداخلية والعدل منها (83 دولة)، وبخاصة الأوربيين منهم، مخاوف جدية من عودة هؤلاء القتلة إلى بلدانهم الأصلية، مسلحين بتجارب إرهابية من قتل وتخريب، ستفعل منطقياً في هذه الدول لاحقاً.
كما أن الجديد يكمن أيضاً في غياب أية إشارة أو حتى تلميح لوجود أبعاد تدخلية (مستعربة) و(إقليمية) و(دولية) في الأزمة السورية (أي تغطية الشمس بالغربال). إضافة إلى محاولة الإبراهيمي ربط الانتخابات ب(التفاوض)، وتصر سورية على تسميته بالحوار، والفارق بينهما كبير، وله مدلولاته أيضاً. وأن يختزل بان كي مون هدف مؤتمر جنيف بإقامة (هيئة حكم انتقالي)، وأن يضيف بصلافة بأن أي بلد يمكنه ومن حقه أن ينظم انتخاباته حسب خطته الخاصة به، ولكن فيما يتعلق بسورية، فإننا نجري اتصالات ومحادثات، لأن الهدف الأساسي هو إقامة حكم بغض النظر عمن يترشح للرئاسة!
يدرك السوريون أنهم أمام استحقاق قانوني دستوري، وهو شأن سوري يخصهم بامتياز، تقرّه الهيئات التشريعية (مجلس الشعب) والتنفيذية (الحكومة).. إلخ، استناداً إلى الدستور المستفتى عليه شعبياً قبل وثيقة جنيف مرة أخرى.. وأنه- أي الدستور- يقر بالتعددية والديمقراطية، وهو حق مكتسب للجميع، من أبناء سورية الحريصين عليها (دولة وكياناً)، وإن إنجازه يعد مكسباً لجميع الوطنيين السوريين، وهو الحق الذي يحرص عليه، ويجب أن يعمل من أجله إنجازه (نظاماً ديمقراطياً تعددياً.. إلخ) كل سوري حريص على بلاده التي تواجه مؤامرة (دولية)، بدأ عدد المشاركين فيها بالتناقص التدريجي الكبير، لتختزل مؤخراً وعملياً بلجنة ما يسمى ب(أصدقاء سورية)، أو أعدائها، لا فرق، لصالح الدول الصديقة والمتوازنة والحليفة الطبيعية لسورية (دولة وكياناً وشعباً).. إضافة إلى (تفهمها) للضغوط الأمريكية الهائلة على العديد من هذه الدول، ورفض هذه الدول استمرار شريعة الغاب والازدواجية في المعايير، وفقاً لمصالحها، وليس مصلحة سورية بالتأكيد. هذه الدول باتت تؤيد وبقوة حل الأزمة السورية عبر الحوار والحل السياسي، وتدرك مخاطر ما يجري في سورية، وهذا ما باتت تلحظه الغالبية الواسعة من دول العالم، وبخاصة الحريصة على أمن سورية واستقرارها، على أهميتها، والمنطقة بأسرها، وصولاً إلى ما هو أبعد منها أيضاً.. فضلاً عن ضرورة احترام مواثيق الأمم المتحدة وأنظمتها وقوانينها، بوصفها المرجعية الدولية الأولى. وإن من اعتقد أن الأزمة السورية ستمثل تكراراً أتوماتيكياً لخريف تونس ثم مصر وأزماتها، أو تكراراً مسطحاً للسيناريو الليبي، وما آلت إليه ليبيا من ثورات تمسها دولة وشعباً وكياناً قد ذهب بعيداً في تقديراته التسطيحية.
لم يتنصل أي مسؤول سوري، حتى تاريخه على الأقل، من موضوع الاستحقاقات الانتخابية، وبضمنها الرئاسية، كما أكد الوفدان السوريان إلى جولتي جينف، وأبديا استعدادهما لمناقشة كل بنود وثيقة جنيف، حسب تسلسلها، إنما مرة أخرى، على أساس احترام كل بنودها، وفي المقدمة وقف الإرهاب، والتكفير، وسفك الدم السوري، وتخريب البنى التحتية والمؤسساتية الوطنية والخاصة.
وأكدت سورية في هذا السياق استعدادها لإجراء انتخابات نزيهة (يمكن أن تتفضل أية دولة أو هيئة دولية وأن تتابع مجرياتها ونزاهتها). ونشير في هذا السياق إلى تصريحات العديد من المسؤولين رفيعي المستوى (الغربيين) عموماً، والأمريكيين خصوصاً، حول النتائج المتوقعة للانتخابات القادمة، إضافة إلى معرفتهم الحقيقية بوزن (المعارضات) وتأثيرها، ولهذا مغزاه أيضاً.
فقد عانى الشعب السوري أزمة حادة دخلت عامها الرابع، وهو قد بلغ سن الرشد مبكراً جداً، منذ مقاومته للاحتلالات الأجنبية والمؤامرات العديدة، على اختلافها وتنوعها، ومناوأته للسياسات المعادية لسورية، ونيله استقلاله السياسي، ودفع ومايزال ثمن هذه السياسات، وآخرها هذا التدمير الممنهج لمقدرات البلاد، والعمل على إشاعة عدم الأمن والأمان والاستقرار الداخلي المتعمد والمبرمج.. وأكبر دليل على ذلك طبيعة تحالفات (المعارضات) المرتبطة من جهة، وممارسات العصابات الإجرامية – التكفيرية المضرة بالوطن والمواطن، في المناطق التي مازالت خارج سيطرة الدولة السورية بعد.. فضلاً عن محاولة إشغالها بهمومها الداخلية، على حساب موقفها وسياستها الوطنية، والعودة بها إلى القرون الوسطى، التي لا يمكن لشعب سورية أن يقف موقفاً محايداً أو لا مبالياً تجاهها، بل أن يواجهها وأن ينتصر للديمقراطية والتعددية والحياة المدنية بصيغها وأبجدياتها.. وهذا ما تحققه سورية تدريجياً ميدانياً، وعلى صعيد علاقاتها وتحالفاتها وصداقاتها الإقليمية والدولية أيضاً.