المبدعون… فقراء أغنياء

قد يحدث أن يظل صدى أخلاق الإنسان بين الناس بعد رحيله، يتناقلها الأجيال، ويستفيد منها كل عاقل، إذا كانت تلك الأصداء صادرة عن مفكر أو مبدع كبير…

تبقى أفكاره ونظرياته خالدة، أما الوعاء الذي كان يحمل تلك الأفكار فلا شك أنه زائل ومندثر.

الجسد وعاء الفكر، والرأس مصنع ومولّد شرارات الإبداع والخلق، لذا وجب على المبدع العظيم أن يهتم بالوعاء الذي يحمل ويغلف أجمل ما فيه، فيغذيه بالطعام الطيب والماء ا لعذب.

إنما.. على مر الزمان كان المبدعون فقراء، وأحياناً منبوذين، يقتاتون الخبز القليل. لحافهم السماء وورق الشجر، وسريرهم العشب الأخضر.

يعرفون أنهم راحلون.. لذا لا يضيّعون وقتهم في جمع المال والاحتفاظ به. كنزهم الوحيد قلم صغير وورقة بيضاء. يخطون فوقها أشياء أكثر قوة من الخناجر والسيوف، وأبقى من كل ثروة، أشياء تبقى بعد رحيلهم، مثلما يبقى جذر الشجرة بعد يباس أغصانها، ومثلما يظل المجرى بعد ذهاب مياهه، والقمم العالية بعد ذوبان ثلوجها.

المبدع الحقيقي هو ذاك الصوت الخالد القادم من خلف العواصف والجبال، هو ذاك الالتماع الذي يضيء، وأحياناً قد يحرق بالتماعه الخفيف اليابس، ويترك حسرة أو ندبة في نفوس أولئك المتسلقين كالطحالب على شجرة الخلق وزهرة الإبداع.

إنهم أحياء بفكرهم لا بجسدهم، خالدون بحب الآخرين لهم، ولا يسع الفضاء أجنحتهم، وتضيق الأرض أحياناً بما يحملونه من رؤية عميقة، وفكر ثقيل.

همهم الإنسان، وهدفهم رفع قيمته بين المخلوقات الأخرى. لا يرفعون إلا رايات الحرية، ولا يتطلعون إلا إلى كرامة الإنسان المصونة من الخناجر المسمومة، والأحذية السود.

غالبيتهم يحيون في الظل، ومن يعش في الظل فقد يرى بوضوح أكثر، مثلما الذي يعيش في القمة يرى النهر والغابة.

إنما الظل الذي يحيون فيه ويقيهم حر الشمس لا بد أن يقابله نمو ما في الضوء.

ألا تحيا جذور الشجر في العتمة، وأغصانها وثمارها في النور؟! (فمثلما يوجد نمو من فوق، يوجد نمو من تحت). المبدع المتواضع الذي ينمو في العتمة تمتد ذراعاه لتعانقا النور. وبذلك يكون قد أخذ من الظل الذي يحيا فيه سداً منيعاً  لحمايته من الاختلاط مع بعض المارقين في عالم الفكر ودنيا الأدب والإبداع. فأشجار السنديان الكبيرة، لم تولد كبيرة فجأة.. بل كانت حبات من البلوط، زرعت في الوحل وعتمة الطين، وبعد ذلك شقت البلوطات السليمة الخالية من النخر طريقها نحو السماء، وبقيت بلوطات أخرى مريضة قابعة في ظلمة الوحل وعتمة الطين.

هكذا هم البشر..

مبدعون صالحون يرتفعون…

ومرضى ومنخورون، لا يقدر أحد على رفعهم، فيبقون في القاع.

إن المبدعين طيور، يحلّقون فوق القمم والسهول والوديان.. ولا شك أنهم سيرون أثناء تحليقهم ما لا يراه أولئك الذين يقبعون في أسفل الوديان، وداخل الكهوف المعتمة.

العدد 1188 - 25/02/2026